فلما استعبدوا أهل الدول قبلهم واستعملوهم في مهنهم وحاجات منازلهم واختاروا منهم المهرة في أمثال ذلك والقومة عليهم أفادوهم علاج ذلك، والقيام على عمله، والتفنن فيه، مع ما حصل لهم من اتساع العيش والتفنن في أحواله، فبلغوا الغاية في ذلك، وتطوروا بطور الحضارة والترف في الأحوال، واستجادة المطاعم والمشارب والملابس والمباني والأسلحة والفرش والآنية وسائر الماعون والخرثي، وكذلك أحوالهم في أيام المباهاة والولائم وليالي الأعراس، فأتوا من ذلك وراء الغاية، وانظر ما نقله المسعودي والطبري وغيرهما في إعراس المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل، وما بذل أبوها لحاشية المأمون حين وافاه في خطبتها إلى داره بفم الصلح، وركب إليها في السفين، وما أنفق في إملاكها، وما نحلها المأمون وأنفق في عرسها، تقف من ذلك على العجب. فمنه أن الحسن بن سهل نثر يوم الأملاك في الصنيع الذي حضره حاشية المأمون، فنثر على الطبقة الأولى منهم بنادق المسك ملتوتة على الرقاع بالضياع والعقار، مسوغة لمن حصلت في يده، يقع لكل واحد منهم ما أداه إليه الاتفاق والبخت وفرق على الطبقة الثانية بدر الدنانير في كل بدرة عشرة ألاف، وفرق على الطبقة الثالثة بدر الدراهم كذلك، بعد أن أنفق في مقامة المأمون بداره أضعاف ذلك. ومنه أن المامون أعطاها في مهرها ليلة زفافها ألف حصاة من الياقوت، وأوقد شموع العنبر في كل واحدة مائة من وهو رطل وثلثان وبسط لها فرشاً كان الحصير منها منسوجاً بالذهب مكللاً بالدر والياقوت. وقال المأمون حين رآه: " قاتل الله أبا نواس، كأنه أبصر هذا حيث يقول في صفة الخمر:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
وأعد بدار الطبخ من الحطب لليلة الوليمة نقل مائة وأربعين بغلاً مدة عام كامل ثلاث مرات كل يوم. وفني الحطب لليلتين، وأوقدوا الجريد يصبون عليه الزيت. وأوعز إلى النواتية بإحضار السفن لإجازة الخواص من الناس بدجلة من بغداد إلى قصور الملك بمدينة المأمون لحضور الوليمة، فكانت الحراقات المعدة لذلك ثلاثين ألفاً، أجازوا الناس فيها أخريات نهارهم. وكثير من هذا وأمثاله. وكذلك عرس المامون بن ذي النون بطليطلة، نقله ابن بسام في كتاب الذخيرة وابن حبان بعد أن كانوا كلهم في الطور الأول من البداوة عاجزين عن ذلك جملة، لفقدان أسبابه والقائمين على صنائعه في غضاضتهم وسذاجتهم.
ويذكر أن الحجاج أولم في اختتان بعض ولده فاستحضر بعض الدهاقين يسأله عن ولائم الفرس، وقال: أخبرني بأعظم صنيع شهدته، فقال له: نعم أيها الأمير، شهدث بعض مرازبة كسرى، وقد صنع لأهل فارس صنيعاً أحضر فيه صحاف الذهب على أخونة الفضة، أربعاً على كل واحد، وتحمله أربع وصائف، ويجلس عليه أربعة من الناس، فإذا طعموا أتبعوا أربعتهم المائدة بصحافها ووصائفها. فقال الحجاج: يا غلام انحر الجزر وأطعم الناس. وعلم انه لا يستقل بهذه الأبهة. وكذلك كان.
ومن هذا الباب أعطية بني أمية وجوائزهم. فإنما كان أكثرها الإبل أخذاً بمذاهب العرب وبداوتهم. ثم كانت الجوائز في دولة بني العباس والعبيديين من بعدهم ما علمت من أحمال المال وتخوت الثياب وإعداد الخيل بمراكبها.
وهكذا كان شأن كتامة مع الأغالبة بإفريقية، وكذا بنو طغج بمصر، وشأن لمتونة مع ملوك الطوائف بالأندلس، والموحدين كذلك وشأن زناتة مع الموحدين وهلم جرا، تنتقل الحضارة من الدول السالفة إلى الدول الخالفة: فانتقلت حضارة الفرس للعرب بني أمية وبني العباس، وانتقلت حضارة بني أمية بالأندلس إلى ملوك المغرب من الموحدين وزناتة لهذا العهد، وانتقلت حضارة بني العباس إلى الديلم ثم إلى الترك، ثم إلى السلجوقية، ثم إلى الترك المماليك بمصر، والتتر بالعراقين. وعلى قدر عظم الدولة يكون شأنها في الحضارة، إذ أمور الحضارة من توابع الترف، والترف من توابع الثروة والنعمة، والثروة والنعمة من توابع الملك، ومقدار ما يستولي عليه أهل الدولة. فعلى نسبة الملك يكون ذلك كله. فاعتبره وتفهمه وتأمله تجده صحيحاً في العمران. " والله وارث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين " .
الفصل السادس عشر
في أن الترف يزيد الدولة في أولها قوة إلى قوتها