The Muqaddimah

في انقلاب الخلافة إلي الملك
Read with the dictionary

وفي كل واحدة من هذه المقالات للشيعة اختلاف كثيرة إلا أن هذه أشهر مذاهبهم، ومن أراد استيعابها ومطالعتها فعليه بكتاب " الملل والنحل " لابن حزم والشهرستاني وغيرهما، ففيها بيان ذلك. والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وهو العلي الكبير.

الفصل الثامن والعشرون

في انقلاب الخلافة إلي الملك

اعلم أن الملك غاية طبيعية للعصبية، ليس وقوعه عنها باختيار، إنما هو بضرورة الوجود وترتيبه كما قلناه من قبل، وأن الشرائع والديانات وكل أمر يحمل عليه الجمهور فلا بد فيه من العصبية، إذ المطالبة لا تتم إلا بها كما قدمناه، فالعصبية ضرورية للملة وبوجودها يتم أمر الله منها. وفي الصحيح: " ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه " . ثم وجدنا الشارع قد ذم العصبية وندب إلى اطراحها وتركها فقال: " إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، أنتم بنو آدم وآدم من تراب " ، وقال تعالى: " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " . ووجدناه أيضاً قد ذم الملك وأهله ونعى على أهله أحوالهم من الاستمتاع بالخلاق، والإسراف في غير القصد والتنكب عن صراط الله. وإنما حض على الألفة في الدين وحذر من الخلاف والفرقة.

واعلم أن الدنيا كلها وأحوالها عند الشارع مطية للآخرة، ومن فقد المطية فقد الوصول. وليس مراده فيما ينهى عنه أو يذمه من أفعال البشر أو يندب إلى تركه إهماله بالكلية أو اقتلاعه من أصله، وتعطيل القوى التي ينشأ عليها بالكلية، إنما قصده تصريفها في أغراض الحق جهد الاستطاعة، حتى تصير المقاصد كلها حقاً وتتحد الوجهة، كما قال صلى الله عليه وسلم: " من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " . فلم يذم الغضب وهو يقصد نزعه من الإنسان، فإنه لو زالت منه قوة الغضب لفقد منه الانتصار للحق وبطل الجهاد إعلاء كلمة الله، وإنما يذم الغضب للشيطان وللأغراض الذميمة، فإذا كان الغضب لذلك كان مذموماً وإذا كان الغضب في الله ولله كان ممدوحاً، وهو من شمائله صلى الله عليه وسلم.

وكذا ذم الشهوات أيضاً ليس المراد إبطالها بالكلية، فإن من بطلت شهوته كان نقصاً في حقه وإنما المراد تصريفها فيما أبيح له باشتماله على المصالح، ليكون الإنسان عبداً متصرفاً طوع الأوامر الإلهية، وكذا العصبية حيث ذمها الشارع، وقال: " لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم " فإنما مراده حيث تكون العصبية على الباطل وأحواله كما كانت في الجاهلية، وأن يكون لأحد فخربها أو حق على أحد، لأن ذلك مجان من أفعال العقلاء وغير نافع في الأخرة التي هي دار القرار. فأما إذا كانت العصبية في الحق وإقامة أمر الله فأمر مطلوب، ولو بطل لبطلت الشرائع إذ لا يتم قوامها إلا بالعصبية كما قلناه من قبل. وكذا الملك لما ذمه الشارع لم يذم منه الغلب بالحق وقهر الكافة على الدين، ومراعاة المصالح، وإنما ذمه لما فيه من التغلب بالباطل وتصريف الأدميين طوع الأغراض والشهوات كما قلناه. فلو كان الملك مخلصاً في غلبه للناس أنه لله ولحملهم على عبادة الله وجهاد عدوه لم يكن ذلك مذموماً.

وقد قال سليمان صلوات الله عليه: " رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي " ، لما علم من نفسه أنه بمعزل عن الباطل في النبوة والملك.

ولما لقي معاوية عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عند قدومه إلى الشام في أبهة الملك وزيه من العديد والعدة استنكر ذلك وقال: " أكسروية يا معاوية؟ " ، فقال. " يا أمير المؤمنين إنا في ثغر تجاه العدو وبنا إلى مباهاتهم بزينة الحرب والجهاد حاجة " ، فسكت ولم يخطئة لما احتج عليه بمقصد من مقاصد الحق والدين. فلو كان القصد رفض الملك أصله لم يقنعه هذا الجواب في تلك الكسروية وانتحالها، بل كان يحرض على وجه عنها بالجملة. وإنما أراد عمر بالكسروية ما كان عليه أهل فارس في ملكهم من ارتكاب الباطل والظلم والبغي وسلوك سبله والغفلة عن الله، وأجابه معاوية بأن القصد بذلك ليس كسروية فارس وباطلهم، وإنما قصده بها وجه الله، فسكت. وهكذا كان شأن الصحابة في رفض الملك وأحواله ونسيان عوائده حذراً من التباسها بالباطل.

فلما استحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر على الصلاة، إذ هي أهم أمور

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account