وفي شرقي بلاد ونغارة وكانم بلاد زغاوة وتاجرة المتصلة بأرض النوبة في الجزء الرابع من هذا الإقليم. وفيه يفر نيل مصرذاهباً من مبدئه عند خط الاستواء إلى البحر الرومي فى الشمال. ومخرج هذا النيل من جبل القمر الذي فوق خط الاستواء بست عشرة درجة. واختلفوا في ضبط هذه اللفظة. فضبطها بعضهم بفتح القاف والميم نسبة إلى قمر السماء لشدة بياضه وكثرة ضوئه. وفي كتاب المشترك لياقوت بضم القاف وسكون الميم نسبة إلى قوم من أهل الهند، وكذا ضبطه ابن سعيد. فيخرح من هذا الجبل عشر عيون تجتمع كل خمسة منها في بحيرة، وبينهما ستة أميال. ويخرج من كل واحدة من البحيرتين ثلاثة أنهار تجتمع كلها في بطيحة واحدة في أسفلها جبل معترض يشق البحيرة من ناحية الشمال. وينقسم ماؤها بقسمين: فيمر الغربي منه إلى بلاد السودان مغرباً حتى يصب في البحر المحيط، ويخرج الشرقي منه ذاهباً إلى الشمال على بلاد الحبشة والنوبة وفيما بينهما، وينقسم في أعلى أرض مصر، فيصب ثلاثة من جداوله في البحر الرومي عند الإسكندرية ورشيد ودمياط، ويصب واحد في بحيرة ملحة قبل أن يتصل بالبحر في وسط هذا الإقليم الأول وعلى هذا النيل بلاد النوبة والحبشة وبعض بلاد الواحات إلى أسوان. وحاضرة بلاد النوبة مدينة دنقلة، وهي في غربي هذا النيل وبعدها علوة وبلاق، وبعدهما جبل الجنادل على ستة مراحل من بلاق في الشمال، وهو جبل عال من جهة مصر ومنخفض من جهة النوبة، فينفذ فيه النيل ويصب في مهوى بعيد صباً هائلاً، فلا يمكن أن تسلكه المراكب، بل يحول الوسق من مراكب السودان، فيحمل على الظهر إلى بلد أسوان قاعدة الصعيد، وكذا وسق مراكب الصعيد إلى فوق الجنادل. وبين الجنادل وأسوان اثنتا عشرة مرحلة. والواحات في غربيها عدوة النيل، وهي الأن خراب، وبها آثار العمارة القديمة.
وفي وسط هذا الإقليم في الجزء الخامس منه بلاد الحبشة على واد يأتي من وراء خط الاستواء ذاهباً إلى أرض النوبة، فيصب هناك في النيل الهابط إلى مصر. وقد وهم فيه كثير من الناس وزعموا أنه من نيل القمر. وبطليموس ذكره في كتاب الجغرافيا وذكر أنه ليس من هذا النيل. وإلى وسط هذا الإقليم في الجزء الخامس ينتهي بحر الهند الذي يدخل من ناحية الصين، ويغمرعامة هذا الإقليم إلى هذا الجزء الخامس، فلا يبقى فيه عمران إلا ما كان في الجزائر التي في داخله وهي متعددة، يقال تنتهي إلى ألف جزيرة، أو فيما على سواحله الجنوبية وهي آخر المعمور في الجنوب، أو فيما على سواحله من جهة الشمال، وليس منها في هذا الإقليم الأول إلا طرف من بلاد الصين في جهة الشرقي وفي بلاد اليمن.
وفي الجزء السادس من هذا الإقليم فيما بين البحرين الهابطين من هذا البحر الهندي إلى جهة الشمال وهما بحر قلزم وبحر فارس وفيما بينهما جزيرة العرب. وتشتمل على بلاد اليمن وبلاد الشحر في شرقيها على ساحل هذا البحر الهندي، وعلى بلاد الحجاز واليمامة. وما إليهما كما نذكره في الإقليم الثاني وما بعده فأما الذي على ساحل هذا البحر من غربيه فبلد زالع من أطراف بلاد الحبشة ومجالات البجة في شمالي الحبشة ما بين جبل العلاقي في أعالي الصعيد وبين بحر القلزم الهابط من البحر الهندي وتحت بلاد زالع من جهة الشمال في هذا الجزء خليج باب المندب يضيق البحر الهابط هنالك بمزاحمة جبل المندب المائل في وسط البحر الهندي ممتداً مع ساحل اليمن من الجنوب إلى الشمال في طول اثني عشر ميلاً، فيضيق البحر بسبب ذلك إلى أن يصير في غرض ثلاثة أميال أو نحوها، ويسمى باب المندب وعليه تمر مراكب اليمن إلى ساحل السويس قريباً من مصر. وتحت باب المندب جزيرة سواكن ودهلك وقبالته من غربيه مجالات البجة من أمم السودان كما ذكرناه. ومن شرقيه في هذا الجزء تهائم اليمن، ومنها على ساحله بلد علي بن يعقوب. وفي جهة الجنوب من بلد زالع وعلى ساحل هذا البحر من غربيه قرى بربر يتلو بعضها بعضاً. وينعطف مع جنوبيه إلى آخر الجزء السادس.
ويليها هنالك من جهة شرقيها بلاد الزنج ثم بلاد سفالة على ساحله الجنوي في الجزء السابع من هذا الإقليم. وفي شرقي بلاد سفالة من ساحله الجنوبي بلاد الواق واق متصلة إلى آخر الجزء العاشر من هذا الإقليم عند مدخل هذا البحر من البحر المحيط.