أمر وجداني في مواطن الحرب يجده كل أحد من نفسه. وهذا السبب الذي ذكره أرسطو - إن كان ذكره - فهو صحيح ببعض الاعتبارات. وأما الحق في ذلك فهو أن النفس عند سماع النغم والأصوات يدركها الفرح والطرب بلا شك، فيصيب مزاج الروح نشوة يستسهل بها الصعب، ويستميت في ذلك الوجه الذي هو فيه. وهذا موجود حتى في الحيوانات العجم، بانفعال الإبل بالحداء، والخيل بالصفير والصريخ كما علمت. ويزيد ذلك تأثيراً إذا كانت الأصوات متناسبة كما في الغناء. وأنت تعلم ما يحدث لسامعه من مثل هذا المعنى. ولأجل ذلك تتخذ العجم في مواطن حروبهم الألات الموسيقية لا طبلاً ولا بوقاً، فيحدق المغنون بالسلطان في موكبه بآلاتهم، ويغنون، فيدركون نفوس الشجعان بضربهم إلى الاستماتة. ولقد رأينا في حروب العرب من يتغنى أمام الموكب بالشعر ويطرب، فتجيش همم الأبطال بما فيها، ويسارعون إلى مجال الحرب، وينبعث كل قرن إلى قرنه. وكذلك زناتة من أمم المغرب. يتقدم الشاعر عندهم أمام الصفوف، ويتغنى فيدرك بغنائه الجبال الرواسي، ويبعث على الاستماتة من لا يظن بها، ويسمون ذلك الغناء تاصوكايت. وأصله كله قرح يحدث في النفس فتنبعث عنه الشجاعة كما تنبعث عن نشوة الخمر بما حدث عنها من الفرح. والله أعلم.
وأما تكثير الرايات وتلوينها وإطالتها فالقصد به التهويل لا أكثر وربما يحدث في النفوس من التهويل زيادة في الإقدام، وأحوال النفوس وتلوناتها غريبة. والله الخلاق العليم. ثم إن الملوك والدول يختلفون في اتخاذ هذه الشارات، فمنهم مكثر ومنهم مقلل بحسب اتساع الدولة وعظمها. فأما الرايات فإنها شعار الحروب من عهد الخليقة، ولم تزل الأمم تعقدها في مواطن الحروب والغزوات، لعهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء. وأما قرع الطبول والنفخ في الأبواق فكان المسلمون لأول الملة متجافين عنه، تنزهاً عن غلظة الملك ورفضاً لأحواله، واحتقاراً، لأبهته التي ليست من الحق في شيء. حتى إذ ا انقلبت الخلافة ملكاً وتبجحوا بزهرة الدنيا ونعيمها، ولابسهم الموالي من الفرس والروم أهل الدول السالفة، وأروهم ما كان أولئك ينتحلونه من مذاهب البذخ والترف، فكان مما استحسنوه اتخاذ الألة فأخذوها، وأذنوا لعمالهم في اتخاذها تنويهاً بالملك وأهله. فكثيراً ما كان العامل صاحب الثغر أو قائد الجيش يعقد له الخليفة من العباسيين أو العبيديين لواءه، ويخرج إلى بعثه أو عمله من دار الخليفة أو داره في موكب من أصحاب الرايات والآلات، فلا يميز بين موكب العامل والخليفة إلا بكثرة الألوية وقلتها، أو بما اختص به الخليفة من الألوان لرايته كالسواد في رايات بني العباس، فإن راياتهم كانت سوداً حزناً على شهدائهم من بني هاشم، ونعياً على بني أمية في قتلهم، ولذلك سموا المسودة.
ولما افترق أمر الهاشميين وخرج الطالبيون على العباسيين في كل جهة وعصر، ذهبوا إلى مخالفتهم في ذلك فاتخذوا الرايات بيضاً وسموا المبيضة لذلك سائر أيام العبيديين، ومن خرج من الطالبيين في ذلك العهد بالمشرق، كالداعي بطبرستان وداعي صعدة أو من دعا إلى بدعة الرافضة من غيرهم كالقرامطة.
ولما نزع المأمون عن لبس السواد وشعاره في دولته عدل إلى لون الخضرة، فجعل رايته خضراء.
وأما الاستكثار منها فلا ينتهي إلى حد، وقد كانت آلة العبيديين لما خرج العزيز إلى فتح الشام خمسمائة من البنود وخمسمائة من الأبواق.