The Muqaddimah

الفصل الرابع والأربعون
Read with the dictionary

وأعظم من ذلك في الظلم وإفساد العمران والدولة التسلط على أموال الناس، بشراء ما بين ايديهم بأبخس الأثمان، ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع. وربما تفرض عليهم تلك الأثمان على التراخي والتأجيل، فيتعللون في تلك الخسارة التي تلحقهم بما تحدثهم المطامع من جبر ذلك بحوالة الأسواق في تلك البضائع التي فرضت عليهم بالغلاء، إلى بيعها بأبخس الأثمان، وتعود خسارة ما بين الصفقتين على رؤوس أموالهم. وقد يعم ذلك أصناف التجار المقيمين بالمدينة والواردين من الأفاق في البضائع، وسائر السوقة، وأهل الدكاكين في المآكل والفواكه، وأهل الصنائع فيما يتخذ من الألات والمواعين، فتشمل الخسارة سائر الأصناف والطبقات، وتتوالى على الساعات، وتجحف برؤوس الأموال، ولا يجدون عنها وليجة إلا القعود عن الأسواق لذهاب رؤوس الأموال في جبرها بالأرباح، ويتثاقل الواردون من الأفاق لشراء البضائع وبيعها من أجل ذلك، فتكسد الأسواق ويبطل معاش الرعايا، لأن عامته من البيع والشراء. وإذا كانت الأسواق عطلاً منها بطل معاشهم، وتنقص جباية السلطان أو تفسد، لأن معظمها من أواسط الدولة، وما بعدها إنما هو من المكوس على البياعات كما قدمناه. ويؤول ذلك إلى تلاشي الدولة وفساد عمران المدينة. ويتطرق هذا الخلل على التدريج ولا يشعر به.

هذا ما كان بأمثال هذه الذرائع والأسباب إلى أخذ الأموال وأما أخذها مجاناً والعدوان على الناس في أموالهم وحرمهم ودمائهم وأسرارهم وأعراضهم فهو يفضي إلى الخلل والفساد دفعة، وتنتقض الدولة سريعاً بما ينشأ عنه من الهرج المفضي إلى الانتقاض.

ومن أجل هذه المفاسد حظر الشرع ذلك كله وشرع المكايسة في البيع والشراء، وحظر أكل أموال الناس بالباطل سداً لأبواب المفاسد المفضية إلى انتقاض العمران بالهرج أو بطلان المعاش.

واعلم أن الداعي لذلك كله إنما هو حاجة الدولة والسلطان إلى الإكثار من المال بما يعرض لهم من الترف في الأحوال، فتكثر نفقاتهم ويعظم الخرج ولا يفي به الدخل على القوانين المعتادة، فيستحدثون ألقاباً ووجوهاً يوسعون بها الجباية ليفي لهم الدخل بالخرج. ثم لا يزال الترف يزيد، والخرج بسببه يكثر، والحاجة إلى أموال الناس تشتد، ونطاق الدولة بذلك يزيد، إلى أن تنمحي دائرتها ويذهب رسمها ويغلبها طالبها. والله أعلم.

الفصل الرابع والأربعون

في الحجاب كيف يقع في الدول

وأنه يعظم عند الهرم اعلم أن الدولة في أول أمرها تكون بعيدة عن منازع الملك كما قدمناه، لأنه لا بد لها من العصبية التي بها يتم أمرها ويحصل استيلاؤها، والبداوة هي شعار العصبية، والدولة إن كان قيامها بالدين فإنه بعيد عن منازع الملك، وإن كان قيامها بعز الغلب فقط، فالبداوة التي بها يحصل الغلب بعيدة أيضاً عن منازع الملك ومذاهبه. فإذا كانت الدولة في أول أمرها بدوية كان صاحبها على حال الغضاضة والبداوة والقرب من الناس وسهولة الأذن.

فإذا رسخ عزه وصار إلى الانفراد بالمجد، واحتاج إلى الانفراد بنفسه عن الناس للحديث مع أوليائه في خواص شؤونه، لما يكثر حينئذ من بحاشيته، فيطلب الانفراد عن العامة ما استطاع، ويتخذ الأذن ببابه على من لا يأمنه من أوليائه وأهل دولته، ويتخذ حاجباً له عن الناس يقيمه ببابه لهذه الوظيفة.

ثم إذا استفحل الملك وجاءت مذاهبه ومنازعه استحالت خلق صاحب الدولة إلى خلق الملك، وهي خلق غريبة مخصوصة، يحتاج مباشرها إلى مداراتها ومعاملتها بما يجب لها. وربما جهل تلك الخلق منهم بعض من يباشرهم فوقع فيما لا يرضيهم، فسخطوه وصاروا إلى حالة الانتقام منه. فانفرد بمعرفة هذه الأداب الخواص من أوليائهم، وحجبوا غير أولئك الخاصة عن لقائهم في كل وقت، حفظاً على أنفسهم من معاينة ما يسخطهم، وعلى الناس من التعرض لعقابهم.

فصار لهم حجاب آخر أخص من الحجاب الأول، يفضي إليهم منه خواصهم من الأولياء، ويحجب دونه من سواهم من العامة. والحجاب الثاني يفضي إلى مجالس الأولياء، ويحجب دونه من سواهم من العامة. والحجاب الأول يكون في أول الدولة كما ذكرنا، كما حدث لأيام معاوية وعبد الملك وخلفاء بني أمية، وكان القائم على ذلك الحجاب يسمى عندهم الحاجب جرياً على مذهب الاشتقاق الصحيح.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account