The Muqaddimah

في وفور العمران آخر الدولة
Read with the dictionary

وكذا العبيديون أقام داعيتهم بالمغرب أبو عبد الله الشيعي ببني كتامة من قبائل البربر عشر سنين، ويزيد يطاول بني الأغلب بإفريقية حتى ظفر بهم، واستولوا على المغرب كله، وسموا إلى ملك مصر، فمكثوا ثلاثين سنة أو نحوها في طلبها يجهزون إليها العساكر والأساطيل في كل وقت، وبجيء المدد لمدافعتهم براً وبحراً من بغداد والشام، وملكوا الإسكندرية والفيوم والصعيد، وتخطت دعوتهم من هنالك إلى الحجاز وأقيمت بالحرمين. ثم نازل قائدهم جوهر الكاتب بعساكره مدينة مصر واستولى عليها، واقتلع دولة بني طغج من أصولها، واختط القاهرة، فجاء الخليفة بعد، المعز لدين الله، فنزلها لستين سنة أو نحوها منذ استيلائهم على الإسكندرية.

وكذا السلجوقية ملوك الترك لما استولوا على بني سامان، وأجازوا من وراء النهر مكثوا نحواً من ثلاثين سنة، يطاولون بني سبكتكين بخراسان حتى استولوا على دولته. تم زحفوا إلى بغداد فاستولوا عليها وعلى الخليفة بها بعد أيام من الدهر.

وكذا التتر من بعدهم خرجوا من المفازة عام سبع عشرة وستمائة فلم يتم لهم الاستيلاء إلا بعد أربعين سنة.

وكذا أهل المغرب، خرج به المرابطون من لمتونة على ملوكه من مغراوة، فطاولوهم سنين، ثم استولوا عليه. ثم خرج الموحدون بدعوتهم على لمتونة، فمكثوا نحواً من ثلاثين سنة يحاربونهم، حتى استولوا على كرسيهم بمراكش.

وكذا بنو مرين من زناتة خرجوا على الموحدين فمكثوا يطاولونهم نحواً من ثلاثين سنة، واستولوا على فاس واقتطعوها وأعمالها من ملكهم. ثم أقاموا في محاربتهم ثلاثين أخرى، حتى استولوا على كرسيهم بمراكش حسبما نذكر ذلك كله في تواريخ هذه الدول. فهكذا حال الدول المستجدة مع المستقرة في المطالبة والمطاولة. سنة الله في عباده، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

ولا يعارض ذلك بما وقع في الفتوحات الإسلامية وكيف كان استيلاؤهم على فارس والروم لثلاث أو أربع من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. واعلم أن ذلك إنما كان معجزة من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم، سرها استماتة المسلمين في جهاد عدوهم استبصاراً بالإيمان، وما أوقع الله في قلوب عدوهم من الرعب والتخاذل. فكان ذلك كله خارقاً للعادة المقررة في مطاولة الدول المستجدة للمستقرة. وإذا كان ذلك خارقاً فهو من معجزات نبينا صلوات الله عليه، المتعارف ظهورها في الملة الإسلامية. والمعجزات لا يقاس عليها الأمور العادية، ولا يعترض بها. والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق.

الفصل الخمسون

في وفور العمران آخر الدولة

وما يقع فيها من كثرة الموتان والمجاعات اعلم أنه قد تقرر لك فيما سلف أن الدولة في أول أمرها لا بد لها من الرفق في ملكتها والاعتدال في إيالتها، إما من الدين إن كانت الدعوة دينية أو من المكارمة والمحاسنة التي تقتضيها البداوة الطبيعية للدول. وإذا كانت الملكة رفيقة محسنة انبسطت آمال الرعايا، وانتشطوا للعمران وأسبابه فتوفر، ويكثر التناسل. وإذا كان ذلك كله بالتدريج فإنما يظهر أثره بعد جيل أو جيلين في الأقل. وفي انقضاء الجيلين تشرف الدولة على نهاية عمرها الطبيعي، فيكون حينئذ العمران في غاية الوفور والنماء. ولا تقولن إنه قد مر لك أن أواخر الدولة يكون فيها الإجحاف بالرعايا، وسوء الملكة، فذلك صحيح، ولا يعارض ما قلناه، لأن الإجحاف وإن حدث حينئذ، وقلت الجبايات فإنما يظهر أثره في تناقص العمران بعد حين، من أجل التدريج في الأمور الطبيعية. ثم إن المجاعات والموتان تكثر عند ذلك في أواخر الدول. والسبب فيه: أما المجاعات فلقبض الناس أيديهم عن الفلح في الأكثر، بسبب ما يقع في آخر الدولة من العدوان في الأموال والجبايات، أو الفتن الواقعة في انتقاص الرعايا وكثرة الخوارج لهرم الدولة، فيقل احتكار الزرع غالباً، وليس صلاح الزرع وثمرته بمستمر الوجود، ولا على وتيرة واحدة، فطبيعة العالم في كثرة الأمطار وقلتها مختلفة، والمطر يقوى ويضغف ويقل ويكثر، والزرع والثمار والضرع على نسبته، إلا أن الناس واثقون في أقواتهم بالاحتكار. فإذا فقد الاحتكار عظم توقع الناس للمجاعات فغلا الزرع، وعجز عنه أولو الخصاصة فهلكوا، وكان بعض السنوات، والاحتكار مفقود، فشمل الناس الجوع.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account