ولما جاء الإسلام أغفل ذلك لسذاجة الدين وبداوة العرب. وكانوا يتعاملون بالذهب والفضة وزناً، وكانت دنانير الفرس ودراهمهم بين أيديهم يردونها في معاملتهم إلى الوزن ويتصارفون بها بينهم، إلى أن تفاحش الغش في الدنانير والدراهم، لغفلة الدولة عن ذلك، وأمر عبد الملك الحجاج، على ما نقل سعيد بن المسيب وأبو الزناد، بضرب الدراهم وتمييز المغشوش من الخالص، وذلك سنة أربع وسبعين، وقال المدايني سنة خمس وسبعين، ثم أمر بصرفها في سائر النواحي سنة ست وسبعين، وكتب عليها: " الله أحد الله الصمد " .
ثم ولي ابن هبيرة العراق أيام يزيد بن عبد الملك، فجود السكة، ثم بالغ خالد القسرفي في تجويدها، ثم يوسف بن عمر بعده. وقيل: أول من ضرب الدنانير والدراهم مصعب بن الزبير بالعراق سنة سبعين بأمر أخيه عبد الله لما ولي الحجاز، وكتب عليها في أحد الوجهين: " بركة الله " وفي الآخر " اسم الله " ، ثم غيرها الحجاج بعد ذلك بسنة، وكتب عليها اسم الحجاج وقدر وزنها على ما كانت استقرت أيام عمر. وذلك أن الدرهم كان وزنه أول الإسلام ستة دوانق، والمثقال وزنه درهم وثلاثة أسباع درهم، فتكون عشرة دراهم بسبعة مثاقيل. وكان السبب في ذلك ان أوزان الدرهم أيام الفرس كانت مختلفة وكان منها على وزن المثقال عشرون قيراطاً، ومنها اثنا عشر، ومنها عشرة، فلما احتيج إلى تقديره في الزكاة أخذ الوسط وذلك اثنا عشر قيراطاً، فكان المثقال درهماً وثلاثة أسباع درهم. وقيل كان منها البغلي بثمانية دوانق، والطبري أربعة دوانق، والمغربي ثمانية دوانق، واليمني ستة دوانق، فأمر عمر أن ينظر الأغلب في التعامل، فكان البغلي والطبري وهما اثنا عشر دانقاً. وكان الدرهم ستة دوانق، وإن زدت ثلاثة أسباعه كان مثقالاً، وإذا أنقصت ثلاثة أعشار المثقال كان درهماً. فلما رأى عبد الملك اتخاذ السكة لصيانة النقدين الجاريين في معاملة المسلمين من الغش عين مقدارها على هذا الذي استقر لعهد عمر رضي الله عنه، واتخذ طابع الحديد واتخذ فيه كلمات لا صوراً، لأن العرب كان الكلام والبلاغة أقرب مناحيهم وأظهرها، مع أن الشرع ينهى عن الصور. فلما فعل ذلك استمر بين الناس في أيام الملة كلها. وكان الدينار والدرهم على شكلين مدورين، والكتابة عليهما في دوائر متوازية يكتب فيها من أحد الوجهين أسماء الله تهليلاً وتحميداً، وصلاة على النبي وآله، وفي الوجه الثاني التاريخ واسم الخليفة. وهكذا أيام العباسيين والعبيديين والأمويين.
وأما صنهاجة فلم يتخذوا سكة إلا آخر الأمر، اتخذها منصور صاحب بجاية، ذكر ذلك ابن حماد في تاريخه. ولما جاءت دولة الموحدين كان مما سن لهم المهدي اتخاذ سكة الدرهم مربع الشكل، وأن يرسم في دائرة الدينار شكل مربع في وسطه، ويملأ من أحد الجانبين تهليلاً وتحميداً، ومن الجانب الآخر كتباً في السطور باسمه واسم الخلفاء من بعده، ففعل ذلك الموحدون، وكانت سكتهم على هذا الشكل لهذا العهد. ولقد كان المهدي، فيما ينقل، ينعت قبل ظهوره بصاحب الدرهم المربع، نعته بذلك المتكلمون بالحدثان من قبله، المخبرون في ملاحمهم عن دولته.
وأما أهل المشرق لهذا العهد فسكتهم غير مقدرة، وإنما يتعاملون بالدنانير والدراهم وزناً بالصنجات المقدرة بعدة منها، ولا يطبعون عليها بالسكة نقوش الكلمات بالتهليل والصلاة واسم السلطان كما يفعله أهل المغرب. " ذلك تقدير العزيز العليم " .
ولنختم الكلام في السكة بذكر حقيقة الدرهم والدينار الشرعيين وبيان حقيقة مقدارهما.
مقدار الدرهم والدينار الشرعيين