The Muqaddimah

الفصل الثاني والخمسون
Read with the dictionary

وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتاً يدخل فيه بكتبه ومؤامرته وما عنده من حوائج عمالك وأمور الدولة ورعيتك. ثم فرغ لما يورد عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك، وكرر النظر فيه والتدبر له، فما كان موافقاً للحق والحزم فأمضه، واستخر الله عز وجل فيه، وما كان مخالفاً لذلك فاصرفه إلى المسألة عنه، والتثبت منه. ولا تمنن على رعيتك ولا غيرهم بمعروف تؤتيه إليهم. ولا تقبل من أحد إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور المسلمين، ولا تضعن المعروف إلا على ذلك. وتفهم كتابي إليك وأمعن النظر فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك واستخره، فإن الله عز وجل مع الصلاح وأهله. وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك ما كان لله عز وجل رضاً، ولدينه نظاماً، ولأهله عزاً وتمكيناً وللملة والذمة عدلاً وصلاحاً. وأنا أسأل الله عز وجل أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك والسلام. وحدث الإخباريون أن هذا الكتاب لما ظهر وشاع أمره أعجب به الناس، واتصل بالمأمون فلما قرىء عليه، قال: ما أبقى أبو الطيب، يعني طاهراً، شيئاً من أمور الدنيا والدين، والتدبير والرأي والسياسة، وصلاح الملك والرعية، وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة، إلا وقد أحكمه وأوصى به. ثم أمر المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي ليقتدوا به، ويعملوا بما فيه. هذا أحسن ما وقفت عليه في هذه السياسة. والله أعلم.

الفصل الثاني والخمسون

في أمر الفاطمي

وما يذهب إليه الناس في شأنه وكشف الغطاء عن ذلك اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح، عل أثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته.

ويحتجون في هذا الشأن بأحاديث خرجها الأئمة وتكلم فيها المنكرون لذلك، وربما عارضوها ببعض الأخبار. وللمتصوفة المتأخرين في أمر هذا الفاطمي طريقة أخرى، ونوع من الاستدلال، وربما يعتمدون في ذلك على الكشف الذي هو أصل طرائقهم. ونحن الآن نذكر هنا الأحاديث الواردة في هذا الشأن وما للمنكرين فيها من المطاعن وما لهم في إنكارهم من المستند، ثم نتبعه بذكر كلام المتصوفة ورأيهم، ليتبين لك الصحيح من ذلك إن شاء الله تعالى. فنقول: إن جماعة من الأئمة خرجوا أحاديث المهدي، منهم الترمذي وأبو داود والبزاز وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبو يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة: مثل علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأنس وأبي سعيد الخدري وأم حبيبة وأم سلمة وثوبان وقرة بن إياس، وعلي الهلالي وعبد الله بن الحارث بن جزء، بأسانيد ربما يعرض لها المنكرون كما نذكره. إلا أن المعروف عند أهل الحديث أن الجرح مقدم على التعديل. فإذا وجدنا طعناً في بعض رجال الأسانيد بغفلة أو بسوء حفظ أو ضعف أو سوء رأي، تطرق ذلك إلى صحة الحديث وأوهن منها. ولا تقولن: مثل ذلك ربما يتطرق إلى رجال الصحيحين، فإن الاجماع قد اتصل في الأمة على تلقيهما بالقبول، والعمل بما فيهما، وفي الاجماع أعظم حماية وأحسن دفع. وليس غير الصحيحين بمثابتهما في ذلك، فقد نجد مجالاً للكلام في أسانيدها بما نقل عن أئمة الحديث في ذلك.

ولقد توغل أبو بكر بن أبي خيثمة، على ما نقل السهيلي عنه، في جمعه للأحاديث الواردة في المهدي فقال: ومن أغربها إسناداً ما ذكره أبو بكر الإسكاف، في فوائد الأخبار، مسنداً إلى مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن جابر، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كذب بالمهدي فقد كفر ومن كذب بالدجال فقد كذب " . وقال في طلوع الشمس من مغربها مثل ذلك، فيما أحسب. وحسبك هذا غلواً. والله أعلم بصحة طريقه إلى مالك بن أنس. على أن أبا بكر الإسكاف عندهم متهم وضاع.

وأما الترمذي فخرج هو وأبو داود بسنديهما إلى ابن عباس، من طريق عاصم بن أبي النجود أحد القراء السبعة إلى زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم:

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account