وفي كيفية نقش الخاتم والختم به وجوه. وذلك أن الخاتم يطلق على الألة التي تجعل في الأصبع، ومنه تختم إذا لبسه. ويطلق على النهاية والتمام، ومنه ختمت الأمر إذا بلغت آخره، وختمت القرآن كذلك، ومنه خاتم النبيين وخاتم الأمر. ويطلق على السداد الذي يسد به الأواني والدنان، ويقال فيه ختام، ومنه قوله تعالى: " ختامه مسك " وقد غلط من فسر هذا بالنهاية والتمام، قال لأن آخر ما يجدونة في شرابهم ريح المسك، وليس المعنى عليه، وإنما هو من الختام، الذي هو السداد، لأن الخمر يجعل لها في الدن سداد الطين أو القار يحفظها ويطيب عرفها وذوقها، فبولغ في وصف خمر الجنة بأن سدادها من المسك، وهو أطيب عرفاً وذوقاً من القار والطين المعهودين في الدنيا.
فإذا صح إطلاق الخاتم على هذه كلها صح إطلاقه على أثرها الناشىء عنها.
وذلك أن الخاتم إذا نقشت به كلمات أو أشكال ثم غمس في مذاق من الطين أو مداد، ووضع على صفح القرطاس بقي أكثر الكلمات في ذلك الصفح. وكذلك إذا طبع به على جسم لين كالشمع، فإنه يبقى نقش ذلك المكتوب مرتسماً فيه. وإذا كانت كلمات وارتسمت فقد يقرأ من الجهة اليسرى إذا كان النقش على الاستقامة من اليمنى، وقد يقرأ من الجهة اليمنى إذا كان النقش من الجهة اليسرى، لأن الختم يقلب جهة الخط في الصفح كما كان في النقش من يمين أو يسار. فيحتمل أن يكون الختم بهذا الخاتم بغمسه في المداد أو الطين، ووضعه على الصفح فتنتقش الكلمات فيه، ويكون هذا من معنى النهاية والتمام بمعنى صحة ذلك المكتوب ونفوذه، كأن الكتاب إنما يتم العمل به بهذه العلامات، وهو من دونها ملغى ليس بتمام. وقد يكون هذا الختم بالخط آخر الكتاب أو أوله بكلمات منتظمة من تحميد أو تسبيح، أو باسم السلطان أو الأمير أو صاحب الكتاب كائناً من كان، أو شيء من نعوته، يكون ذلك الخط علامة على صحة الكتاب ونفوذه، ويسمى ذلك في المتعارف علامة، ويسمى ختماً تشبيهاً له بأثر الخاتم الأصفي في النقش، ومن هذا خاتم القاضي الذي يبعث به للخصوم، أي علامته وخطه الذي ينفذ بهما أحكامه، ومنه خاتم السلطان أو الخليفة أي علامته. قال الرشيد ليحيى بن خالد لما أراد أن يستوزر جعفراً ويستبدل به من الفضل أخيه، فقال لأبيهما يحيى: " يا أبت إني أردت أن أحول الخاتم من يميني إلى شمالي " . فكنى له بالخاتم عن الوزارة، لما كانت العلامة على الرسائل والصكوك من وظائف الوزارة لعهدهم. ويشهد لصحة هذا الإطلاق ما نقله الطبري أن معاوية أرسل إلى الحسن عند مراودته إياه في الصلح صحيفة بيضاء ختم على أسفلها، وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك. ومعنى الختم هنا علامة في آخر الصحيفة بخطه أو غيره. ويحتمل أن يختم به في جسم لين فتنتقش فيه حروفه، ويجعل على موضع الحزم من الكتاب إذا حزم وعلى المودوعات وهو من السداد كما مر. وهو في الوجهين آثار الخاتم، فيطلق عليه خاتم.
وأول من أطلق الختم على الكتاب، أي العلامة معاوية، لأنه أمر لعمر بن الزبير عند زياد بالكوفة بمائة ألف، ففتح الكتاب وصير المائة مائتين ورفع زياد حسابه، فأنكرها معاوية، وطلب بها عمر وحبسه حتى قضاها عنه أخوه عبد الله. واتخذ معاوية عند ذلك ديوان الخاتم ذكره الطبري. وقال آخرون: وحزم الكتب ولم تكن تحزم أي جعل لها السداد. وديوان الختم عبارة عن الكتاب القائمين على إنفاذ كتب السلطان والختم عليها إما بالعلامة أو بالحزم. وقد يطلق الديوان على مكان جلوس هؤلاء الكتاب كما ذكرناه في ديوان الأعمال.
والحزم للكتب يكون إما بمس الورق كما في عرف كتاب المغرب، وأما بلصق رأس الصحيفة على ما تنطوي عليه من الكتاب كما في عرف أهل المشرق. وقد يجعل على مكان الدس أو الإلصاق علامة يؤمن معها من فتحه والاطلاع على ما فيه. فأهل المغرب يجعلون على مكان الدس قطعة من الشمع ويختمون عليها بخاتم نقشت فيه علامة لذلك، فيرتسم النقش في الشمع. وكان في المشرق في الدول القديمة يختم على مكان اللصق بخاتم منقوش أيضاً قد غمس في مذاق من الطين معد لذلك، صبغه أحمر فيرتسم ذلك النقش عليه. وكان هذا الطين في الدولة العباسية يعرف بطين الختم، وكان يجلب من سيراف، فيظهر أنه مخصوص بها.