The Muqaddimah

الفصل الثالث
Read with the dictionary

وذلك أن القبائل والعصائب إذا حصل لهم الملك اضطروا للاستيلاء على الأمصار لأمرين: أحدهما ما يدعو إليه الملك من الدعة والراحة وحط الأثقال، واستكمال ما كان ناقصاً من أمور العمران في البدو، والثاني دفع ما يتوقع على الملك من أمر المنازعين والمشاغبين. لأن المصر الذي يكون في نواحيهم ربما يكون ملجأ لمن يروم منازعتهم، والخروج عليهم، وانتزاع ذلك الملك الذي سموا إليه من أيديهم، فيعتصم بذلك المصر ويغالبهم. ومغالبة المصر على نهاية من الصعوبة والمشقة. والمصر يقوم مقام العساكر المتعددة لما فيه من الأمتناع ونكاية الحرب من وراء الجدران، من غير حاجة إلى كثير عدد ولا عظيم شوكة. لأن الشوكة والعصابة إنما احتيج إليهما في الحرب للثبات، لما يقع من بعد كرة القوم بعضهم على بعض عند الجولة، وثبات هؤلاء بالجدران، فلا يضطرون إلى كبير عصابة ولا عدد. فيكون حال هذا الحصن، ومن يعتصم به من المنازعين، مما يفت في عضد الأمة التي تروم الأستيلاء، ويخضد شوكة استيلائها. فإذا كانت بين أجنابهم أمصار انتظموها في استيلائهم للأمن، من مثل هذا الأنخرام، وإن لم يكن هناك مصر استحدثوه ضرورة لتكميل عمرانهم أولاً، وحط أثقالهم، وليكون شجاً في حلق من يروم العزة والامتناع عليهم من طوائفهم وعصائبهم. فتعين أن الملك يدعو إلى نزول الأمصار والاستيلاء عليها. والله سبحانه وتعالى أعلم، وبه التوفيق لا رب سواه.

الفصل الثالث

في أن المدن العظيمة..

والهياكل المرتفعة إنما يشيدها الملك الكثير قد قدمنا ذلك في آثار الدولة من المباني وغيرها، وأنها تكون على نسبتها. وذلك أن تشييد المدن إنما يحصل باجتماع الفعلة وكثرتهم وتعاونهم. فإذا كانت الدولة عظيمة متسعة الممالك، حشر الفعلة من أقطارها، وجمعت أيديهم على عملها. وربما استعين في ذلك في أكثر الأمر بالهندام الذي يضاعف القوى والقدر في حمل أثقال البناء، لعجز القوة البشرية وضعفها عن ذلك، كالمخال وغيره. وربما يتوهم كثير من الناس إذا نظر إلى آثار الأقدمين ومصانعهم العظيمة، مثل إيوان كسرى، وأهرام مصر وحنايا المعلقة وشرشال بالمغرب، إنما كانت بقدرتهم متفرقين أو مجتمعين، فيتخيل لهم أجساماً تناسب ذلك أعظم من هذه بكثير، في طولها وقدرها، لتناسب بينها وبين القدر التي صدرت تلك المباني عنها. ويغفل عن شأن الهندام والمخال، وما اقتضته في ذلك الصناعة الهندسية.

وكثيرمن المتغلبين في البلاد يعاين في شأن البناء، واستعمال الحيل في نقل الأجرام عند أهل الدولة المعتنين بذلك من العجم، ما يشهد له بما قلناه عيانا. وأكثر آثار الأقدمين لهذا العهد تسميها العامة عادية، نسبة إلى قوم عاد، لتوهمهم أن مباني عاد مصانعهم إنما عظمت لعظم أجسامهم وتضاعف قدرهم وليس كذلك، فقد نجد آثاراً كثيرة من آثار الذين تعرف مقادير أجسامهم من الأمم، وهي في مثل ذلك العظم أو أعظم، كإيوان كسرى ومباني العبيديين من الشيعة بإفريقية، والصنهاجيين، وأثرهم باد إلى اليوم في صومعة قلعة بني حماد. وكذلك بناء الأغالبة في جامع القيروان، وبناء الموحدين، في رباط الفتح ورباط السلطان أبي سعيد لعهد أربعين سنة، في المنصورة بإزاء تلمسان. وكذلك الحنايا التي جلب إليها أهل قرطاجنة الماء في القناة الراكبة عليها ماثلة أيضاً لهذا العهد. وغير ذلك من المباني والهياكل التي نقلت إلينا أخبار أهلها قريباً وبعيداً، تيقنا أنهم لم يكونوا بإفراط في مقادير أجسامهم. وإنما هذا رأي ولع به القصاص عن قوم عاد وثمود والعمالقة. ونجد بيوت ثمود في الحجر منحوتة إلى هذا العهد. وقد ثبت في الحديث الصحيح أنها بيوتهم يمر بها الركب الحجازي أكثر السنين، ويشاهدونها لا تزيد في جوها ومساحتها وسمكها على المتعاهد. وإنهم ليبالغون فيما يعتقدون من ذلك. حتى إنهم ليزعمون أن عوج بن عناق من جيل العمالقة، كان يتناول السمك من البحر طرياً فيشويه في الشمس. يزعمون بذلك أن الشمس حارة فيما قرب منها، ولا يعلمون أن الحر فيما لدينا هو الضوء لانعكاس الشعاع بمقابلة سطح الأرض والهواء. وأما الشمس في نفسها فغير حار، ولا باردة. وإنما هي كوكب مضيء لا مزاج له. وقد تقدم شيء من هذا في الفصل الثاني، حيث ذكرنا أن آثار الدولة على نسبة قوتها في أصلها. والله يخلق مايشاء ويحكم مايريد.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account