اعلم أن تأثل العقار والضياع الكثيرة لأهل الأمصار والمدن، لا يكون دفعة واحدة، ولا في عصر واحد إذ ليس يكون لأحد منهم من الثروة، ما يملك به الأملاك التي تخرج قيمها عن الحد، ولو بلغت أحوالهم في الرفه ما عسى أن تبلغ. وإنما يكون ملكهم وتأثلهم لها تدريجاً، إما بالوراثة من آبائه وذوي رحمه، حتى تتأذى أملاك الكثيرين منهم إلى الواحد وأكثر كذلك، أو أن يكون بحوالة الأسواق. فإن العقار في أواخر الدولة وأول الأخرى، عند فناء الحامية، وخرق السياج، وتداعي المصر إلى الخراب، تقل الغبطة به لقلة المنفعة فيها، بتلاشي الأحوال، فترخص قيمها وتتملك بالأثمان اليسيرة، وتتخطى بالميراث إلى ملك الآخر، وقد استجد المصر شبابه باستفحال الدولة الثانية، وانتظمت له أحوال رائقة حسنة، تحصل معها الغبطة في العقار والضياع، لكثر الغبطة في العقار والضياع، لكثرة منافعها حينئذ فتعظم قيمها، ويكون لها خطر لم يكن في الأول. وهذا معنى الحوالة فيها. ويصبح مالكها من أغنى أهل المصر، وليس ذلك بسعيه واكتسابه، إذ قدرته تعجز عن مثل ذلك.
وأما فوائد العقار والضياع فهي غير كافية لمالكها في حاجات معاشه، إذ هي لا تفي بعوائد الترف وأسبابه، وإنما هي في الغالب لسد الخلة وضرورة المعاش. والذي سمعناه من مشيخة البلدان أن القصد باقتناء الملك من العقار والضياع، إنما هو الخشية، من يترك خلفه من الذرية الضعفاء، ليكون مرباهم به ورزقهم فيه، ونشؤهم بفائدته ماداموا عاجزين عن الاكتساب. فإذا اقتدروا على تحصيل المكاسب سعوا فيها بأنفسهم. وربما يكون من الولد من يعجز عن التكسب لضعف في بدنه أو آفة في عقله المعاشي، فيكون ذلك العقار قواماً لحاله. هذا قصد المترفين في اقتنائه. وأما التمول وإجراء أحوال المترفين فلا. وقد يحصل ذلك منه للقليل أو النادر بحوالة الأسواق، حصول الكثرة البالغة منه، والعالي في جنسه وقيمته في المصر. إلا أن ذلك إذا حصل فربما امتدت إليه أعين الأمراء والولاة، واغتصبوه في الغالب، أو أرادوه على بيعه منهم، ونالت أصحابه منه مضار ومعاطب. والله غالب على أمره، وهو رب العرش العظيم.
الفصل السادس عشر
في حاجات المتمولين من أهل الأمصار
إلى الجاه والمدافعة وذلك أن الحضري إذا عظم تموله وكثر للعقار والضياع تأثله، وأصبح أغنى أهل المصر ورمقته العيون بذلك، وانفسحت أحواله في الترف والعوائد، زاحم عليها الأمراء والملوك وغصوا به. ولما في طباع البشر من العدوان، تمتد أعينهم إلى تملك ما بيده، وينافسونه فيه، ويتحيلون على ذلك بكل ممكن، حتى يحصلونه في ربقة حكم سلطاني، وسبب من المؤاخذة ظاهر، ينتزع به ماله. وأكثر الأحكام السلطانية جائرة في الغالب، إذ العدل المحض إنما هو في الخلافة الشرعية وهي قليلة اللبث. قال صلى الله عليه وسلم : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تعود ملكاً عضوضاً " . فلا بد حينئذ لصاحب المال والثروة الشهيرة في العمران، من حامية تذود عنه، وجاه ينسحب عليه من ذي قرابة للملك، أو خالصة له أو عصبية يتحاماها السلطان، فيستظل هو بظلها، ويرتع فى أمنها من طوارق التعدي. وإن لم يكن له ذلك، أصبح نهباً بوجوه التحيلات وأسباب الحكام. والله يحكم لامعقب لحكمه.
الفصل السابع عشر
في أن الحضارة في الأمصار من قبل الدول
وإنما ترسخ باتصال الدولة ورسوخها