The Muqaddimah

الفصل الثامن والعشرون
Read with the dictionary

ونقل أصحاب الطلسمات أن لتلك الأعداد أثراً في الألفة بين المتحابين واجتماعهما إذا وضع لهما تمثالان. أحدهما بطالع الزهرة وهي في بيتها أو شرفها، ناظرة إلى القمر نظر مودة وقبول، ويجعل طالع الثاني سابع الأول، ويوضع على أحد التمثالين أحد العددين والآخر على الآخر. ويقصد بالأكثر الذي يراد ائتلافه، أعني المحبوب، ما أدري، الأكثر كمية أو الأكثر أجزاء، فيكون لذلك من التآليف العظيم بين المتحابين ما لا يكاد ينفك أحدهما عن الآخر. قاله صاحب الغاية وغيره من أئمة هذا الشأن، وشهدت له التجربة.

وكذا طابع الأسد، ويسمى أيضاً طابع الحصى، وهو أن يرسم في قالب هند إصبع صورة أسد شائلاً ذنبه، عاضاً على حصاة، قد قسمها بنصفين، وبين يديه صورة حية منسابة من رجليه إلى قبالة وجهه فاغرة فاها إلى فيه، وعلى ظهره صورة عقرب تدب. ويتحين برسمه حول الشمس بالوجه الأول أو الثالث من الأسد، بشرط صلاح النيرين وسلامتهما من النحوس. فإذا وجد ذلك وعثر عليه، طبع في ذلك الوقت في مقدار المثقال فما دونه من الذهب، وغمس بعد في الزعفران محلولاً بماء الورد، ورفع في خرقة حرير صفراء فإنهم يزعمون أن لممسكه من العز على السلاطين في مباشرتهم وخدمتهم وتسخيرهم له ما لا يعبر عنه. وكذلك للسلاطين فيه من القوة والعزعلى من تحت أيديهم ذكر ذلك أيضاً أهل هذا الشأن في الغاية وغيرها، وشهدت له التجربة. وكذلك وفق المسدس المختص بالشمس، ذكروا أنه يوضع عند حلول الشمس في شرفها وسلامتها من النحوس، وسلامة القمر، بطالع ملوكي يعتبر فيه نظر صاحب العاشر لصاحب الطالع نظر مودة وقبول، ويصلح فيه ما يكون في مواليد الملوك من الأدلة الشريفة، ويرفع في خرقة حرير صفراء بعد أن يغمس في الطيب. فزعموا أن له أثراً في صحابة الملوك وخدمتهم، ومعاشرتهم. وأمثال ذلك كثير.

وكتاب الغاية لمسلمة بن أحمد المجريطي هو مدونة هذه الصناعة، وفيه استيفاؤها وكمال مسائلها. وذكر لنا: أن الإمام الفخر بن الخطيب وضع كتاباً في ذلك وسماه بالسر المكتوم، وأنه بالمشرق يتداوله أهله ونحن لم نقف عليه، والإمام لم يكن من أئمة الشأن فيما نظن، ولعل الأمر بخلاف ذلك. وبالمغرب صنف من هؤلاء المنتحلين لهذه الأعمال السحرية يعرفون بالبعاجين، وهم الذين ذكرت أولاً أنهم يشيرون إلى الكساء أو الجلد فيتخرق، ويشيرون إلى بطون الغنم بالبعج فينبعج. ويسمى أحدهم لهذا العهد باسم البعاج، لأن أكثر ما ينتحل من السحر بعج الأنعام، يرهب بذلك أهلها ليعطوه من فضلها وهم متسترون بذلك في الغاية خوفاً على أنفسهم من الحكام. لقيت منهم جماعة وشاهدت من أفعالهم هذه بذلك، وأخبروني أن لهم وجهة ورياضة خاصة بدعوات كفرية وإشراك لروحانية الجن والكواكب، سطرت فيها صحيفة عندهم تسمى الخزيرية يتدارسونها وأن بهذه الرياضة والوجهة يصلون إلى حصول هذه الأفعال لهم، وأن التأثير الذي لهم إنما هو فيما سوى الإنسان الحر من المتاع والحيوان والرقيق، ويعبرون عن ذلك بقولهم إنما نفعل فيما يمشي فيه الدرهم أي ما يملك ويباع ويشترى من سائر المتملكات، هذا ما زعموه. وسألت بعضهم فأخبرني به. وأما أفعالهم فظاهرة موجودة، وقفنا على الكثير منها وعاينتها من غير ريبة في ذلك.

هذا شأن السحر والطلسمات وآثارهما في العالم، فأما الفلاسفة ففرقوا بين السحر والطلمسات بعد أن أثبتوا أنهما جميعا أثر للنفس الإنسانية، واستدلوا على وجود الأثر للنفس الإنسانية، بأن لها آثاراً في بدنها على غير المجرى الطبيعي وأسبابه الجسمانية، بل آثار عارضة من كيفيات الأرواح، تارة كالسخونة الحادثة عن الفرح والسرور، ومن جهة التصورات النفسانية أخرى، كالذي يقع من قبل التوهم. فإن الماشي على حرف حائط أو على جبل منتصب، إذا قوي عنده توهم السقوط سقط بلا شك. ولهذا تجد كثيراً من الناس يعودون أنفسهم ذلك بالدربة عليه حتى يذهب عنهم هذا الوهم فتجدهم يمشون على حرف الحائط والحبل المنتصب ولا يخافون السقوط.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account