The Muqaddimah

الفصل الحادي والثلاثون
Read with the dictionary

وأما قولهم إن السعادة في إدراك الموجودات على ما هي عليه بتلك البراهين، فقول مزيف مردود، وتفسيره أن الإنسان مركب من جزأين: أحدهما جسماني والآخر روحاني ممتزج به، ولكل واحد من الجزأين مدارك مختضة به، والمرك فيهما واحد، وهو الجزء الروحاني، يدرك تارة مدارك روحانية وتارة مدارك جسمانية، إلأ أن المدارك الروحانية يدركها بذاته بغير واسطة، والمدارك الجسمانية بواسطة آلات الجسم من الدماغ والحواس. وكل مدرك فله ابتهاج بما يدركه. واعتبره بحال الصبي في أول مداركه الجسمانية التي هي بواسطة، كيف يبتهج بما يبصره من الضوء وبما يسمعه من الأصوات، فلا شك أن الابتهاج بالإدراك الذي للنفس من ذاتها بغير واسطة يكون أشد وألذ. فالنفس الروحانية إذا شعرت بإدراكها الذي لها من ذاتها بغير واسطة، حصل لها ابتهاج ولذة لا يعبر عنها، وهذا الإدراك لا يحصل بنظر ولا علم، وإنما يحصل بكشف حجاب الحس ونسيان المدارك الجسمانية بالجملة.

والمتصوفة كثيراً ما يعنون بحصول هذا الإدراك للنفس بحصول هذه البهجة، فيحاولون بالرياضة إماتة القوى الجسمانية ومداركها، حتى الفكر من الدماغ، ليحصل للنفس إدراكها الذي لها من ذاتها عند زوال الشواغب والموانع الجسمانية، فيحصل لهم بهجة ولذة لا يعبرعنها. وهذا الذي زعموه بتقدير صحته مسلم لهم، وهو مع ذلك غير واف بمقصودهم.

فأما قولهم: إن البراهين والأدلة العقلية محصلة لهذا النوع من الإدراك والابتهاج عنه، فباطل كما رأيته، إذ البراهين والأدلة من جملة المدارك الجسمانية، لأنها بالقوى الدماغية من الخيال والفكر والذكر. ونحن نقول إن أول شيء نعنى به في تحصيل هذا الإدراك إماتة هذه القوى الدماغية كلها، لأنها منازعة له قادحة فيه. وتجد الماهر منهم عاكفاً على كتاب الشفاء والإشادات والنجاة وتلاخيص ابن رشد للقص من تأليف أرسطو وغيره، يبعثر أوراقها ويتوثق من براهينها، ويلتمس هذا القسط من السعادة فيها، ولا يعلم أنه يستكثر بذلك من الموانع عنها. ومستندهم في ذلك ما ينقلونه عن أرسطو والفارابي وابن سينا أن من حصل له إدراك العقل الفعال واتصل به في حياته فقد حصل حظه من هذه السعادة.

والعقل الفعال عندهم عبارة عن أول رتبة ينكشف عنها الحس من رتب الروحانيات، ويحملون الاتصال بالعقل الفعال على الإدراك العلمي، وقد رأيت فساده. وإنما يعني أرسطو وأصحابه بذلك الاتصال والإدراك، إدراك النفس الذي لها من ذاتها وبغير واسطة، وهو لا يحصل إلا بكشف حجاب الحس.

وأما قولهم: إن البهجة الناشئة عن هذا الإدراك هي عين السعادة الموعود بها فباطل أيضاً، لأنا إنما تبين لنا بما قرروه أن وراء الحس مدركاً آخر للنفس من غير واسطة، وأنها تبتهج بإدراكها ذلك ابتهاجاً شديداً، وذلك لا يعين لنا أنه عين السعادة الأخروية، ولا بد، بل هي من جملة الملاذ التي لتلك السعادة.

وأما قولهم: إن السعادة في إدراك هذه الموجودات على ما هي عليه، فقول باطل مبني على ما كنا قدمناه في أصل التوحيد من الأوهام والأغلاط، في أن الوجود عند كل مدرك منحصر في مداركه، وبينا فساد ذلك، وأن الوجود أوسع من أن يحاط به أو يستوفى إدراكه بجملته روحانياً أو جسمانياً. والذي يحصل من جميع ما قررناه من مذاهبهم أن الجزء الروحاني إذا فارق القوى الجسمانية أدرك إدراكاً ذاتياً له مختصاً بصنف من المدارك، وهي الموجودات التي أحاط بها علمنا، وليس بعام الإدراك في الموجودات كلها، إذ لم تنحصر، وأنه يبتهج بذلك النحو من الإدراك ابتهاجاً شديداً، كما يبتهج الصبي بمداركه الحسية في أول نشوئه. ومن لنا بعد ذلك بإدراك جميع الموجودات أو بحصول السعادة التي وعدنا بها الشارع إن لم نعمل لها، هيهات هيهات لما توعدون. وأما قولهم: إن الإنسان مستقل بتهذيب نفسه وإصلاحها بملابسة المحمود من الخلق ومجانبة المذموم، فأمر مبني على أن ابتهاج النفس بإدراكها الذي لها من ذاتها هو عين السعادة الموعود بها، لأن الرذائل عائقة للنفس عن تمام إدراكها ذلك بما يحصل لها من الملكات الجسمانية وألوانها.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account