هذا هو الواجب على من عرف مفاسد هذا العلم ومضاره. وليعلم من ذلك أنها وإن كانت صحيحة في نفسها، فلا يمكن أحداً من أهل الملة تحصيل علمها ولا ملكتها، بل إن نظر فيها ناظر وظن الإحاطة بها فهو في غاية القصور في نفس الأمر. فإن الشريعة لما حظرت النظر فيها فقد الاجتماع من أهل العمران لقراءتها والتحليق لتعليمها، وصار المولع بها من الناس، وهم الأقل وأقل من الأقل، إنما يطالع كتبها ومقالاتها في كسر بيته متستراً عن الناس وتحت ربقة الجمهور، مع تشعب الصناعة وكثرة فروعها واعتياصها على الفهم، فكيف يحصل منها على طائل؟.
ونحن نجد الفقه الذي عم نفعه ديناً ودنيا وسهلت مآخذه من الكتاب والسنة وعكف الجمهورعلى قراءته وتعليمه، ثم بعد التحقيق والتجميع وطول المدارسة وكثرة المجالس وتعددها، إنما يحذق فيه الواحد بعد الواحد في الأعصار والأجيال. فكيف يعلم مهجور للشريعة، مضروب دونه سد الحظر والتحريم، مكتوم عن الجمهور، صعب المآخذ، محتاج بعد الممارسة والتحصيل لأصوله وفروعه إلى مزيد حدس وتخمين يكتنفان به من الناظر، فأين التحصيل والحذق فيه مع هذه كلها. ومدعي ذلك من الناس مردود على عقبه ولا شاهد له يقوم بذلك لغرابة الفن بين أهل الملة وقلة حملته، فاعتبر ذلك يتبين لك صحة ما ذهبنا إليه. والله أعلم بالغيب فلا يظهر على غيبه أحداً.
ومما وقع في هذا المعنى لبعض أصحابنا من أهل العصر عندما غلب العرب عساكر السلطان أبي الحسن وحاصروه بالقيروان وكثر إرجاف الفريقين الأولياء والأعداء، وقال في ذلك أبو القاسم الروحي من شعراء أهل تونس:
أستغفر الله كل حين ... قد ذهب العيش والهناء
أصبح في تونس وأمسي ... والصبح لله والمساء
الخوف والجوع والمنايا ... يحدثها الهرج والوباء
والناس في مرية وحرب ... وماعسى ينفغ المراء
فأحمدي يرى علياً ... حل به الهلك والتواء
وآخر قال سوف يأتي ... به إليكم صباً رخاء
والله من فوق ذا وهذا ... يقضي لعبديه مايشاء
ياراصد الخنس الجواري ... ما فعلت هذه السماء
مطلتمونا وقد زعمتم ... أنكم اليوم أملياء
مر خميس على خميس ... وجاء سبت وأربعاء
ونصف شهر وعشر ثان ... وثالث ضمه القضاء
ولا نرى غير زور قول ... أذاك جهل أم ازدراء
إنا إلى الله قد علمنا ... أن ليس يستدفع القضاء
رضيت بالله لي إلهاً ... حسبكم البدر أو ذكاء
ما هذه الأنجم السواري ... إلا عباديد أو إماء
يقضى عليها وليس تقضي ... ومالها في الورى اقتضاء
ضلت عقول ترى قديماً ... ما شأنه الجرم والفناء
وحكمت فى الوجود طبعاً ... يحدثه الماء والهواء
لم تر حلواً إزاء مر ... تغذ وهمو تربة وماء
الله ربي ولست أدري ... ما الجوهر الفرد والخلاء
ولا الهيولى التي تنادي ... ما لي عن صورة عراء
ولا وجود ولا انعدام ... ولا ثبوت ولا انتفاء
ولست أدري ما الكسب إلا ... ما جلب البيع والشراء
وإنما مذهبي وديني ... ما كان والناس أولياء
إذ لا فصول ولا أصول ... ولا جدال ولا ارتياء
ما تبع الصدر واقتفينا ... يا حبذا كان الاقتفاء
كانوا كما يعلمون منهم ... ولم يكن ذلك الهذاء
يا أشعري الزمان إني ... أشعرني الصيف والشتاء
أنا أجزي بالشر شراً ... والخير عن مثله جزاء
وإنني إن أكن مطيعاً ... فلست أعصي ولي رجاء
وإنني تحت حكم بار ... أطاعه العرش والثراء
ليس انتصار لكم ولكن ... أتاحه الحكم والقضاء
لو حدث الأشعري عمن ... له إلى رأيه انتماء
لقال أخبرهم بأني ... مما يقولونه براء