ومعظم هذا الصنف لدينا بالمغرب من طلبة البربر المنتبذين بأطراف البقاع ومساكن الأغمار، يأوون إلى مساجد البادية ويموهون على الأغنياء منهم، بأن بأيديهم صناعة الذهب والفضة، والنفوس مولعة بحبهما والاستهلاك في طلبهما، فيحصلون من ذلك على معاش. ثم يبقى ذلك عندهم تحت الخوف والرقبة، إلى أن يظهر العجز وتقع الفضيحة، فيفرون إلى موضع آخر، ويستجدون حالاً آخرى في استهواء بعض أهل الدنيا بأطماعهم فيما لديهم. ولا يزالون كذلك في ابتغاء معاشهم. وهذا الصنف لا كلام معهم، لأنهم بلغوا الغاية في الجهل والرداءة والاحتراف بالسرقة، ولا حاسم لعلتهم إلا اشتداد الحكام عليهم، وتناولهم من حيث كانوا، وقطع أيديهم متى ظهروا على شأنهم، لأن فيه إفساداً للسكة التي تعم بها البلوى، وهي متمول الناس كافة. والسلطان مكلف بإصلاحها والاحتياط عليها والاشتداد على مفسديها. وأما من انتحل هذه الصناعة، ولم يرض بحال الدلسة، بل استنكف عنها ونزه نفسه عن إفساد سكة المسلمين ونقودهم، وإنما يطلب إحالة الفضة للذهب، والرصاص والنحاس والقصدير إلى الفضة بذلك النحو مع العلاج، وبالإكسير الحاصل عنده، فلنا مع هؤلاء متكلم وبحث في مداركهم لذلك. مع أنا لا نعلم أن أحداً من أهل العلم تم له هذا الغرض أو حصل منه على بغية. إنما تذهب أعمارهم في التدبير والفهر والصلابة والتصعيد والتكليس واعتيام الأخطار بجمع العقاقير والبحث عنها. ويتناقلون في ذلك حكايات وقعت لغيرهم، ممن تم له الغرض منها أو وقف إلى الوصول، يقنعون باستماعها والمفاوضة فيها، ولا يستريبون في تصديقها، شأن الكلفين المغرمين بوساوس الأخبار فيما يكلفون به، فإذا سئلوا عن تحقيق ذلك بالمعاينة أنكروه، وقالوا إنما سمعنا ولم نر. هكذا شأنهم في كل عصر وجيل.
واعلم أن انتحال هذه الصنعة قديم في العالم، وقد تكلم الناس فيها من المتقدمين والمتأخرين. فلننقل مذاهبهم في ذلك، ثم نتلوه بما يظهر فيها من التحقيق الذي عليه الأمر في نفسه، فنقول: إن مبنى الكلام في هذه الصناعة عند الحكماء على حال المعادن السبعة المنطرقة، وهي الذهب والفضة والرصاص والقصدير والنحاس والحديد والخارصين: هل هي مختلفات بالفصول، وكلها أنواع قائمة بأنفسها، أو أنها مختلفة بخواص من الكيفيات، وهي كلها أصناف لنوع واحد؟ فالذي ذهب إليه أبو نصر الفارابي، وتابعه عليه حكماء الأندلس أنها نوع واحد، وأن اختلافها إنما هو بالكيفيات، من الرطوبة واليبوسة واللين والصلابة والألوان، من الصفرة والبياض والسواد، وهي كلها أصناف لذلك النوع الواحد. والذي ذهب إليه ابن سينا، وتابعه عليه حكماء المشرق، أنها مختلفة بالفصول، وانها أنواع متباينة، كل واحد منها قائم بنفسه متحقق بحقيقته، له فصل وجنس شأن سائر الأنواع. وبنى أبو نصر الفارابي على مذهبه في اتفاقها بالنوع إمكان انقلاب بعضها إلى بعض، لإمكان تبدل الأغراض حينئذ وعلاجها بالصنعة.
فمن هذا الوجه كانت صناعة الكيمياء عنده ممكنة سهلة المأخد. وبنى أبو علي ابن سينا على مذهبه في اختلافها بالنوع إنكار هذه الصنعة واستحالة وجودها، بناء على أن الفصل لا سبيل بالصناعة إليه، وإنما يخلقه خالق الأشياء ومقدرها وهو الله عز وجل. والفصول مجهولة الحقائق رأساً بالتصور، فكيف يحاول انقلابها بالصنعة. وغلطه الطغرائي من أكابر أهل هذه الصناعة في هذا القول. ورد عليه بأن التدبير والعلاج ليس في تخليق الفصل وإبداعه، إنما هو إعداد المادة لقبوله خاصة. والفصل يأتي من بعد الإعداد من لدن خالقه وبارئه، كما يفيض النور على الأجسام بالصقل والإمهاء.