The Muqaddimah

الفصل الثالث والثلاثون
Read with the dictionary

هذا محصل هذا البرهان وهو أوثق ما علمته، وليست الاستحالة فيه من جهة الفصول كما رأيته ولا من الطبيعة، إنما هو من تعذر الإحاطة وقصور البشر عنها. وما ذكره ابن سينا بمعزل عن ذلك، وله وجه آخر في الاستحالة من جهة غايته. وذلك أن حكمة الله في الحجرين، وندورهما أنهما قيم لمكاسب الناس ومتمولاتهم. فلو حصل عليهما بالصنعة لبطلت حكمة الله في ذلك، وكثر وجودهما حتى لا يحصل أحد من اقتنائهما على شيء. وله وجه آخر من الاستحالة أيضاً، وهو أن الطبيعة لا تترك أقرب الطرق في أفعالها وترتكب الأعوص والأبعد. فلو كان هذا الطريق الصناعي الذي يزعمون أنه صحيح، وأنه أقرب من طريق الطبيعة في معدنها وأقل زماناً، لما تركته الطبيعة إلى طريقها الذي سلكته، في كون الفضة والذهب وتخلقهما. وأما تشبيه الطغرائي هذا التدبير بما عثر عليه من مفردات، مثاله في الطبيعة كالعقرب والنحل والحية وتخليقها، فأمر صحيح في هذه أدى إليه العثور كما زعم. وأما الكيمياء فلم ينقل عن أحد من أهل العلم أنه عثر عليها ولا على طريقها، وما زال منتحلوها يخبطون فيها خبط عشواء إلى هلم جرا، ولا يظفرون إلا بالحكايات الكاذبة. ولو صح ذلك لأحد منهم لحفظه عنه أولاده أو تلميذه وأصحابه، وتنوقل في الأصدقاء وضمن تصديقه صحة العمل بعده إلى أن ينتشر ويبلغ إلينا أو إلى غيرنا، وأما قولهم إن الإكسير بمثابة الخميرة وأنه مركب يحيل ما يحصل فيه ويقلبه إلى ذلك، فاعلم أن الخميرة إنما تقلب العجين وتعده للهضم وهو فساد، والفساد في المواد سهل يقع بأيسر شيء من الأفعال والطبائع. والمطلوب بالإكسير قلب المعدن إلى ما هو أشرف منه وأعلى، فهو تكوين وصلاح، والتكوين أصعب من الفساد، فلا يقاس الإكسير بالخميرة. وتحقيق الأمر في ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها كما تزعم الحكماء المتكلمون فيها، مثل جابر بن حيان ومسلمة بن أحمد المجريطي وأمثالهم، فليست من باب الصنائع الطبيعية، ولا تتم بأمر صناعي. وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات، إنما، هو من منحى كلامهم في الأمور السحرية وسائر الخوارق، وما كان من ذلك للحلاج وغيره، وقد ذكر مسلمة في كتاب الغاية ما يشبه ذلك. وكلامه فيها في كتاب رتبة الحكيم من هذا المنحى. وهذا كلام جابر في رسائله. ونحو كلامهم فيه معروف ولا حاجة بنا إلى شرحه. وبالجملة فأمرها عندهم من كليات المواد الخارجة عن حكم الصنائع. فكما لا يتدبر ما منه الخشب والحيوان في يوم أو شهر خشباً أو حيواناً فيما عدا مجرى تخليقه، كذلك لا يتدبر ذهب من مادة الذهب في يوم ولا شهر ولا يتغير طريق عادته إلا بإرفاد مما وراء عالم الطبائع وعمل الصنائع، فكذلك من طلب الكيمياء طلباً صناعياً ضيع ماله وعمله. ويقال لهذا التدبير الصناعي التدبير العقيم، لأن نيله إن كان صحيحاً فهو واقع مما وراء الطبائع والصنائع، فهو كالمشي على الماء وامتطاء الهواء والنفوذ في كثائف الأجساد، ونحو ذلك من كرامات الأولياء الخارقة للعادة، أو مثل تخليق الطير ونحوها من معجزات الأنبياء. قال تعالى: " وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني، فتنفخ فيها، فتكون طيراً بإذني " !. وعلى ذلك فسبيل تيسيرها مختلف بحسب حال من يؤتاها. فربما أوتيها الصالح ويؤتيها غيره، فتكون عنده معارة. وربما أوتيها الصالح ولا يملك إيتاءها، فلا تتم في يد غيره.

ومن هذا الباب يكون عملها سحرياً، فقد تبين أنها إنما تقغ بتأثير النفوس وخوارق العادة إما معجزة أو كرامة أو سحراً. ولهذا كان كلام الحكماء كلهم فيها ألغازاً، لا يظفر بحقيقته إلا من خاض لجة من علم السحر واطلع على تصرفات النفس في عالم الطبيعة. وأمور خرق العادة غير منحصرة ولا يقصد أحد إلى تحصيلها. والله بما يعملون محيط.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account