The Muqaddimah

في صناعة الشعر ووجه تعلمه
Read with the dictionary

والشعر من بين فنون الكلام صعب المأخذ على من يريد اكتساب ملكته بالصناعة من المتأخرين، لاستقلال كل بيت منه بأنه كلام تام في مقصوده، ويصلح أن ينفرد دون ما سواه، فيحتاج من أجل ذلك إلى نوع تلطف في تلك الملكة، حتى يفرغ الكلام الشعري في قوالبه التي عرفت له في ذلك المنحى من شعر العرب، ويبرزه مستقلاً بنفسه. ثم يأتي ببيت آخر كذلك، ثم ببيت أخر، ويستكمل الفنون الوافية بمقصوده. ثم يناسب بين البيوت في موالاة بعضها مع بعض بحسب اختلاف الفنون التي في القصيدة. ولصعوبة منحاه وغرابة فنه كان محكاً للقرائح في استجاده أساليبه، وشحذ الأفكار في تنزيل الكلام في قوالبه. ولا تكفي فيه ملكة الكلام العربي على الإطلاق، بل يحتاج بخصوصه إلى تلطف ومحاولة في رعاية الأساليب التي اختصتة العرب بها وباستعمالها فيه.

ولنذكر هنا مدلول لفظة الأسلوب عند أهل هذه الصناعة وما يريدون بها في إطلاقهم. فاعلم أنها عبارة عندهم عن المنوال الذي تنسج فيه التراكيب، أو القالب الذي يفرغ فيه. ولا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته كمال المعنى الذي هو وظيفة الإعراب، ولا باعتبار إفادته أصل المعنى من خواص التراكيب، الذي هو وظيفة البلاغة والبيان، ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب فيه الذي هو وظيفة العروض. فهذه العلوم الثلاثة خارجة عن هذه الصناعة الشعرية، وإنما ترجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص. وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها ويصيرها في الخيال كالقالب أو المنوال، ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان، فيرضها فيه رضاً، كما يفعله البناء في القالب أو النساج في المنوال، حتى يتسع القالب بحصول التراكيب الوافية بمقصود الكلام، ويقع على الصورة الصحيحة باعتبار ملكة اللسان العربي فيه، كان لكل فن من الكلام أساليب تختص به وتوجد فيه على أنحاء مختلفة، فسؤال الطلول في الشعر يكون بخطاب الطلول كقوله:

يا دار مية بالعلياء فالسند.

وبكون باستدعاء الصحب للوقوف والسؤال كقوله:

قفا نسأل الدار التي خف أهلها.

أو باستبكاء الصحب على الطلل كقوله:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.

أو بالاستفهام عن الجواب لمخاطب غير معين كقوله:

ألم تسأل فتخبرك الرسوم.

ومثل تحية الطلول بالأمير لمخاطب غير معين بتحيتها كقوله:

حي الديار بجانب الغزل.

أو بالدعاء لها بالسقيا كقوله:

أسفي طلولهم أجش هذيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم

أو بسؤال السقيا لها من البرق كقوله:

يا برق طالع منزلاً بالأبرق ... واحد السحاب لها حداء الأينق

أو مثل التفجع في الرثاء باستدعاء البكاء كقوله:

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

أو باستعظام الحادث كقوله:

أرأيت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي

أو بالتسجيل على الأكوان بالمصيبة لفقده كقوله:

منابت العشب لاحام ولا راع ... مضى الردى بطويل الرمح والباع

أو بالإنكار على من لم يتفجع له من الجمادات كقول الخارجية:

أياشجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف

أو بتهنئة قريعه بالراحة من ثقل وطأته كقوله:

ألق الرماح ربيعة بن نزار ... أوس الردى بقريعك المغوار

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account