واعلم أن الأذواق كلها في معرفة البلاغة إنما تحصل لمن خالط تلك اللغة وكثر استعماله لها ومخاطبته بين أجيالها، حتى يحصل ملكتها كما قلناه في اللغة العربية. فلا يشعر الأندلسي بالبلاغة التي في شعر أهل المغرب، ولا المغربي بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس والمشرق، ولا المشرقي بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس والمغرب. لأن اللسان الحضري وتراكيبه مختلفة فيهم، وكل واحد منهمل ممرذ لبلاغة لغته وذائق محاسن الشعر من أهل جلدته. " وفي خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم آيات للعالمين " .
خاتمة: وقد كدنا أن نخرج عن الغرض، ولذلك عزمنا أن نقبض العنان عن القول في هذا الكتاب الأول، الذي هو طبيعة العمران، وما يعرض فيه، وقد استوفينا من مسائله ما حسبناه كفاء له. ولعل من يأتي بعدنا، ممن يؤيده الله بفكرصحيح وعلم مبين، يغوص من مسائله على أكثرمما كتبنا، فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تحيين موضع العلم وتنويع فصوله، وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل من بعده شيئاً فشيئاً إلى أن يكمل. والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
قال مؤلف الكتاب عفا الله عنه: أتممت هذا الجزء الأول، المثتمل على المقدمة بالوضع والتأليف، قبل التنقيح والتهذيب، في مدة خمسة أشهر آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة. ثم نقحته بعد ذلك وهذبته، وألحقت به تواريخ الأمم كما ذكرت في أوله وشرطته. وما العلم إلا من عند الله العزيز الحكيم.