The Muqaddimah

في طبيعة العمران في الخليقة
Read with the dictionary

وفي الكتاب المنسوب لأرسطو في السياسة، المتداول بين الناس جزء صالح منه، إلا أنه غير مستوف ولا معطى حقه من البراهين ومختلط بغيره، وقد أشار في ذلك الكتاب إلى هذه الكلمات التي نقلناها عن الموبذان وأنوشروان، وجعلها في الدائرة القريبة التي أعظم القول فيها، وهو قوله: " العالم بستان سياجه الدولة، الدولة سلطان تحيا به السنة، السنة سياسة يسوسها الملك، الملك نظام يعضده الجند الجند أعوان يكفلهم المال، المال رزق تجمعه الرعية الرعية عبيد يكنفهم العدل، العدل مألوف وبه العالم، العالم بستان... " ، ثم ترجع إلى أول الكلام. فهذه ثمان كلمات حكمية سياسية ارتبط بعضها ببعض، وارتدت أعجازها على صدورها، واتصلت في دائرة لا يتعين طرفها، فخر بعثوره عليها، وعظم من فوائدها. وأنت إذا تأملت كلامنا في فصل الدول والملك، وأعطيته حقه من التصفح والتفهم، عثرت في أثنائه على تفسير الكلمات، وتفصيل إجمالها مستوفى بيناً بأوعب بيان وأوضح دليل وبرهان، أطلعنا الله عليه من غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبذان. وكذلك تجد في كلام ابن المقفع،وما يستطرد في رسائله من ذكر السياسات الكثير من مسائل كتابنا هذا غير مبرهنة كما برهناه إنما يجليها في الذكر على منحى الخطابة في أسلوب الترسل وبلاغة الكلام. وكذلك حوم الماضي أبو بكر الطرطوشي في كتاب سراج الملوك، وبوبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله، لكنه لم يصادف فيه الرمية ولا أصاب الشاكلة، ولا استوفى المسائل، ولا أوضح الأدلة، إنما يبوب الباب للمسألة، ثم يستكثر من الأحاد والآثار، وينقل كلمات متفرقة لحكماء الفرس مثل بزرجمهر والموبذان وحكماء الهند والمأثور عن دانيال وهرمس وغيرهم من أكابر الخليقة، ولا يكشف عن التحقيق قناعاً يرفع بالبراهين الطبيعية حجاباً، إنما هو نقل وتركيب شبيه بالمواعظ وكأنه حوم على الغرض ولم يصادفه، ولا تحقق قصده، ولا استوفى مسائله.

ونحن ألهمنا الله إلى ذلك الهاماً وأعثرنا على علم جعلنا سن بكره وجهينة خبره. فإن كنت قد استوفيت مسائله، وميزت عن سائر الصنائع أنظاره وأنحاءه، فتوفيق من الله وهداية. وإن فاتني شيء في إحصائه واشتبهت بغيره مسائله، فللناظر المحقق إصلاحه، ولي الفضل لأني نهجت له السبيل وأوضحت له الطريق. والله يهدي بنوره من يشاء.

ونحن الأن نبين في هذا الكتاب ما يعرض للبشر في اجتماعهم من أحوال العمران في الملك والكسب والعلوم والصنائع بوجوه برهانية يتضح بها التحقيق في معارف الخاصة والعامة، وتدفع بها الأوهام وترفع الشكوك ونقول: لما كان الإنسان متميزاً عن سائر الحيوانات بخواص اختص بها. فمنها العلوم والصنائع التي هي نتيجة الفكر الني تميز به عن الحيوانات، وشرف بوصفه على المخلوقات. ومنها الحاجة إلى الحكم الوازع والسلطان القاهر، إذ لا يمكن وجوده دون ذلك، من بين الحيوانات كلها إلا ما يقال عن النحل والجراد، وهذه وإن كان لها مثل ذلك فبطريق إلهامي لا بفكر وروية. ومنها السعي في المعاش والاعتمال في تحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه، لما جعل الله فيه من الافتقار إلى الغذاء في حياته وبقائه، وهداه إلى التماسه وطلبه، قال تعالى: " أعطى كل شيء خلقه ثم هدى " . ومنها العمران وهو التساكن والتنازل في مصر أو حلة للأنس بالعشير واقتضاء الحاجات، لما في طباعهم من التعاون على المعاش كما سنبينه. ومن هذا العمران ما يكون بدوياً، وهو الذي يكون في الضواحي وفي الجبال وفي الحلل المنتجعة في القفار وأطراف الرمال ومنه ما يكون حضرياً، وهو الذي بالأمصار والقرى والمدن والمدر للاعتصام بها والتحصن بجدرانها. وله في كل هذه الأحوال أمور تعرض من حيث الاجتماع عروضاً ذاتياً له، فلا جرم انحصر الكلام في هذا الكتاب في ستة فصول: الأول: في العمران البشري على الجملة وأصنافه وقسطه من الأرض.

والثاني: في العمران البدوي وذكر القبائل والأمم الوحشية.

والثالث: في الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانية.

والرابع: في العمران الحضري والبلدان والأمصار.

والخامس: في الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه.

والسادس: في العلوم واكتسابها وتعلمها.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account