قد بينا أن المعمور في هذا المنكشف من الأرض إنما هو وسطه لإفراط الحر في الجنوب منه والبرد في الشمال. ولما كان الجانبان من الشمال والجنوب متضادين في الحر والبرد، وجب أن تتدرج الكيفية من كليهما إلى الوسط فيكون معتدلاً. فالإقليم الرابع أعدل العمران والذي حافاته من الثالث والخامس أقرب إلى الإعتدال، والذي يليهما من الثاني والسادس بعيدان من الإعتدال. والأول والسابع أبعد بكثير، فلهذا كانت العلوم والصنائع والمباني والملابس والأقوات والفواكه بل والحيوانات، وجمبع ما يتكون في هذه الأقاليم الثلاثة المتوسطة مخصوصة الاعتدال. وسكانها من البشر أعدل أجساما وألواناً وأخلاقاً وأدياناً، حتى النبوات فإنما توجد في الأكثر فيها. ولم نقف على خبر بعثة في الأقاليم الجنوبية ولا الشمالية. وذلك أن الأنبياء والرسل إنما يختص بهم أكمل النوع في خلقهم وأخلاقهم. قال تعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس " وذلك ليتم القبول لما يأتيهم به الأنبياء من عند الله. وأهل هذه الأقاليم أكمل لوجود الاعتدال لهم، فتجدهم على غاية من التوسط في مساكنهم وملابسهم وأقواتهم وصنائعهم، يتخذون البيوت المنجدة بالحجارة، المنمقة بالصناعة، ويتناغون في استجادة الآلات والمواعين، ويذهبون في ذلك إلى الغاية. وتوجد لديهم المعادن الطبيعية من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والقصدير. ويتصرفون في معاملاتهم بالنقدين العزيزين. ويبعدون عن الانحراف في عامة أحوالهم. وهؤلاء أهل المغرب والشام والحجاز واليمن والعراقين والهند والسند والصين، وكذلك الأندلس ومن قرب منها من الفرنجة والجلالقة والروم واليونانيين، ومن كان مع هؤلاء أو قريباً منهم في هذه الأقاليم المعتدلة. ولهذا كان العراق والشام أعدل هذه كلها لأنها وسط من جميع الجهات. وأما الأقاليم البعيدة من الاعتدال، مثل الأول والثاني والسادس والسابع فأهلها أبعد من الاعتدال في جميع أحوالهم. فبناؤهم بالطين والقصب، وأقواتهم من الذرة والعشب، وملابسهم من أوراق الشجر يخصفونها عليهم أو الجلود، وأكثرهم عرايا من اللباس، وفواكه بلادهم وأدمها غريبة التكوبن مائلة إلى الانحراف. ومعاملاتهم بغير الحجرين الشريفين من نحاس أو حديد أو جلود يقدرونها للمعاملات. وأخلاقهم مع ذلك قريبة من خلق الحيوانات العجم. حتى لينقل عن الكثير من السودان أهل الإقليم الأول أنهم يسكنون الكهوف والغياض، ويأكلون العشب، وأنهم متوحشون غير مستأنسين يأكل بعضهم بعضاً، وكذا الصقالبة. والسبب في ذلك أنهم لبعدهم عن الاعتدال يقرب عرض أمزجتهم وأخلاقهم من عرض الحيوانات العجم، ويبعدون عن الإنسانية بمقدار ذلك. وكذلك أحوالهم في الديانة أيضاً، فلا يعرفون نبوة ولا يدينون بشريعة، إلا من قرب منهم من جوانب الاعتدال، وهو في الأقل النادر، مثل الحبشة المجاورين لليمن الدائنين بالنصرانية فيما قبل الإسلام وما بعده لهذا العهد، ومثل أهل مالي وكوكو والتكرور المجاورين لأرض المغرب الدائنين بالإسلام لهذا العهد، يقال إنهم دانوا به في المائة السابعة، ومثل من دان بالنصرانية من أمم الصقالبة والإفرنجة والترك من الشمال. ومن سوى هؤلاء من أهل تلك الأقاليم المنحرفة جنوباً وشمالاً، فالدين مجهول عندهم والعلم مفقود بينهم، وجميع أحوالهم بعيدة من أحوال الأناسي قريبة من أحوال البهائم: " ويخلق ما لا تعلمون " ولا يعترض على هذا القول بوجود اليمن وحضرموت والأحقاف وبلاد الحجاز واليمامة وما إليها من جزيرة العرب في الإقليم الأول والثاني، فإن جزيرة العرب كلها أحاطت بها البحار من الجهات الثلاث كما ذكرنا، فكان لرطوبتها أثر في رطوبة هوائها، فنقص ذلك من اليبس والانحراف الذي يقتضيه الحر، وصار فيها بعض الاعتدال بسبب رطوبة البحر. وقد توهم بعض النسابين ممن لا علم لديه بطبائع الكائنات أن السودان هم ولد حام بن نوح اختصوا بلون السواد لدعوة كانت عليه من أبيه ظهر أثرها في لونه وفيما جعل الله من الرق في عقبه، وينقلون في ذلك حكاية من خرافات القصاص. ودعاء نوح على ابنه حام قد وقع في التوراة وليس فيه ذكر السواد وإنما دعا عليه بأن يكون ولده عبيداً لولد إخوته لا
The Muqaddimah
في المعتدل من الأقاليم والمنحرفHover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.