The Muqaddimah

في أثرالهواء في أخلاق البشر
Read with the dictionary

وأما أهل الشمال فلم يسموا باعتبار ألوانهم لأن البياض كان لوناً لأهل تلك اللغة الواضعة للأسماء. فلم يكن فيه غرابة تحمل على اعتباره في التسمية لموافقته واعتياده. ووجدنا سكانه من الترك والصقالبة والطغرغر والخزر واللان، والكثير من الإفرنجة ويأجوج ومأجوج، أسماء متفرقة وأجيالاً متعددة مسمين بأسماء متنوعة. وأما أهل الأقاليم الثلاثة المتوسطة، أهل الاعتدال في خلقهم وخلقهم وسيرهم، وكافة الأحوال الطبيعية للاعتمار لديهم من المعاش والمساكن والصنائع والعلوم والرياسات والملك، فكانت فيهم النبوات والفلك والدول والشرائع والعلوم والبلدان والأمصار والمباني والفراسة والصنائع الفائقة وسائر الأحوال المعتدلة. وأهل هذه الأقاليم التي وقفنا على أخبارهم، مثل العرب والروم وفارس وبني إسرائيل واليونان وأهل السند والهند والصين. ولما رأى النسابون اختلاف هذه الأمم بسماتها وشعارها حسبوا ذلك لأجل الأنساب: فجعلوا أهل الجنوب كلهم السودان من ولد حام وارتابوا في ألوانهم، فتكلفوا في تلك الحكاية الواهية، وجعلوا أهل الشمال كلهم أو أكثرهم من ولد يافث وأكثر الأمم المعتدلة وأهل الوسط المنتحلين للعلوم والصنائع والملل والشرائع والسياسة والملك من ولد سام. وهذا الزعم وإن صادف الحق في انتساب هؤلاء فليس ذلك بقياس مطرد، إنما هو إخبار عن الواقع، لا أن تسمية أهل الجنوب بالسودان والحبشان من أجل انتسابهم إلى حام الأسود. وما أداهم إلى هذا الغلط إلا اعتقادهم أن التمييز بين الأمم إنما يقع بالأنساب فقط، وليس كذلك: فإن التمييز للجيل أو الأمة يكون بالنسب في بعضهم كما للعرب وبني إسرائيل والفرس، ويكون بالجهة والسمة كما للزنج والحبشة والصقالبة والسودان، ويكون بالعوائد والشعار والنسب كما للعزب، ويكون بغير ذلك من أحوال الأمم وخواصهم ومميزاتهم. فتعميم القول في أهل جهة معينة من جنوب أو شمال بإنهما من ولد فلان المعروف لما شملهم من نحلة أو لون أو سمة وجدت لذلك الأب، إنما هو من الأغاليط التي أوقع فيها الغفلة عن طبائع الأكوان والجهات، وإن هذه كلها تتبدل في الأعقاب ولا يجب استمرارها: " سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلاً " والله ورسوله أعلم بغيبه وأحكم، وهو المولى المنعم الرؤوف الرحيم.

المقدمة الرابعة

في أثرالهواء في أخلاق البشر

قد رأينا من خلق السودان على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب، فتجدهم مولعين بالرقص على كل توقيع، موصوفين بالحمق في كل قطر. والسبب الصحيح في ذلك أنه تقرر في موضعه من الحكمة أن طبيعة الفرح والسرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه، وطبيعة الحزن بالعكس، وهو انقباضه وتكاثفه، وتقرر أن الحرارة مفشية للهواء والبخار مخلخلة له زائدة في كميته. ولهذا يجد المنتشي من الفرح السرور ما لا يعبر عنه، وذلك بما يداخل بخار الروح في القلب من الحرارة الغريزية التي تبعثها سورة الخمر في الروح من مزاجه، فيتفشى الروح وتجيء طبيعة الفرح. وكذلك نجد المتنعمين بالحمامات إذا تنفسوا في هوائها واتصلت حرارة الهواء في أرواحهم فتسخنت لذلك، حدث لهم فرح، وربما انبعث الكثير منهم بالغناء الناشىء عن السرور. ولما كان السودان ساكنين في الإقليم الحار واستولى الحر على أمزجتهم، وفي أصل تكوينهم، كان في أرواحهم من الحرارة على نسبة أبدانهم وإقليمهم، فتكون أرواحهم بالقياس إلى أرواح أهل الإقليم الرابع أشد حراً فتكون أكثر تفشياً، فتكون أسرع فرحاً وسروراً وأكثر انبساطاً، ويجيء الطيش على أثر هذه، وكذلك يلحق بهم قليلاً أهل البلاد البحرية، لما كان هواؤها متضاعف الحرارة بما ينعكس عليه من أضواء بسيط البحر وأشعته، كانت حصتهم من توابع الحرارة في الفرح والخفة موجودة أكثر من بلاد التلول والجبال الباردة. وقد نجد يسيراً من ذلك في أهل البلاد الجزيرية من الإقليم الثالث لتوفر الحرارة فيها وفي هوائها، لأنها عريقة في الجنوب عن الأرياف والتلول.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account