The Muqaddimah

المقدمة السادسة
Read with the dictionary

ومن علاماتهم أيضاً أن يكونوا ذوي حسب في قومهم. وفي الصحيح: " ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه " وفي رواية أخرى في ثروة من قومه، استدركه الحاكم على الصحيحين وفي مساءلة هرقل لأبي سفيان كما هو في الصحيح قال: " كيف هو فيكم؟ " قال أبو سفيان: " هو فينا ذو حسب، فقال هرقل: والرسل تبعث في أحساب قومها. ومعناه أن تكون له عصبة وشوكة تمنعه عن أذى الكفار حتى يبلغ رسالة ربه ويتم مراد الله من إكمال دينه وملته.

ومن علاماتهم أيضاً وقوع الخوارق لهم شاهدة بصدقهم، وهي أفعال يعجز البشر عن مثلها فسميت بذلك معجزة، وليست من جنس مقدور العباد، وإنما تقع في غير محل قدرتهم. وللناس في كيفية وقوعها ودلالتها على تصديق الأنبياء خلاف.

فالمتكلمون بناء على القول بالفاعل المختار قائلون بأنها واقعة بقدرة الله لا بفعل النبي، وإن كانت أفعال العباد عند المعتزلة صادرة عنهم إلا أن المعجزة لا تكون من جنس أفعالهم. وليس للنبي فيها عند سائر المتكلمين إلا التحدي بها بإذن الله، وهو أن يستدل بها النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعها على صدقه في مدعاه. فإذا وقعت تنزلت منزلة القول الصريح من الله بأنه صادق، وتكون دلالتها حينئذ على الصدق قطعية. فالمعجزة دالة بمجموع الخارق والتحدي، ولذلك كان التحدي جزءاً منها. وعبارة المتكلمين صفة، وهو واحد، لأنه معنى الذاتي عندهم.

والتحدي هو الفارق بينها وبين الكرامة والسحر، إذ لا حاجة فيهما إلى التصديق، فلا وجود للتحدي إلا إن وجد اتفاقاً. وإن وقع التحدي في الكرامة عند من يجيزها وكانت لها دلالة فإنما هي على الولاية وهي غير النبوة. ومن هنا منع الأستاذ أبو إسحق وغيره وقوع الخوارق كرامة فراراً من الالتباس بالنبوة عند التحدي بالولاية. وقد أريناك المغايرة بينهما وأنه يتحى بغير مايتحدى به النبي، فلا لبس، على أن النقل عن الأستاذ في ذلك ليس صريحاً، وربما حمل على إنكار أن تقع خوارق الأنبياء لهم بناء على اختصاص كل من الفريقين بخوارقه.

وأما المعتزلة فالمانع من وقوع الكرامة عندهم أن الخوارق ليست من أفعال العباد وأفعالهم معتادة، فلا فرق.

وأما وقوعها على يد الكاذب تلبيساً فهو محال. أما عند الأشعرية فلأن صفة نفس المعجزة التصديق والهداية، فلو وقعت بخلاف ذلك انقلب الدليل شبهة، والهداية ضلالة، والتصديق كذباً، واستحالت الحقائق، وانقلبت صفات النفس، وما يلزم من فرض وقوعه المحال لا يكون ممكناً. وأما عند المعتزلة فلأن وقوع الدليل شبهة والهداية ضلالة قبيح فلا يقع من الله.

وأما الحكماء فالخارق عندهم من فعل النبي، ولو كان في غير محل القدرة بناء على مذهبهم في الإيجاب الذاتي ووقوع الحوادث بعضها عن بعض متوقف على الأسباب، والشروط الحادثة مستندة أخيراً إلى الواجب الفاعل بالذات لا بالاختيار، وأن النفس النبوية عندهم لها خواص ذاتية، منها صدور هذه الخوارق بقدرته وطاعة العناصر له في التكوين. والنبي عندهم مجبول على التصريف في الأكوان مهما توجه إليها واستجمع لها بما جعل الله له من ذلك. والخارق عندهم يقع للنبي سواء أكان للتحدي أو لم يكن، وهو شاهد بصدقه من حيث دلالتها على تصرف النبي في الأكوان الذي هو من خواص النفس النبوية لا بأنه يتنزل منزلة القول الصريح بالتصديق. فلذلك لا تكون دلالتها عندهم قطعية كما هي عند المتكلمين، ولا يكون التحدي جزءاً من المعجزة، ولم يصح فارقاً لها عن السحر والكرامة. وفارقها عندهم عن السحر أن النبي مجبول على أفعال الخير مصروف عن أفعال الشر فلا يلم الشر بخوارقه، والساحر على الضد فأفعاله كلها شر، وفي مقاصد الشر. وفارقها عن الكرامة أن خوارق النبي مخصوصة كالصعود إلى السماء، والنفوذ في الأجسام الكثيفة، وإحياء الموتى، وتكليم الملائكة والطيران في الهواء، وخوارق الولي دون ذلك كتكثير القليل والحديث عن بعض المستقبل وأمثاله مما هو قاصر عن تصريف الأنبياء. ويأتي النبي بجميع خوارقه، ولا يقدر هو على مثل خوارق الأنبياء. وقد قرر ذلك المتضوفة فيما كتبوه في طريقتهم ولقنوه عمن أخبرهم.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account