The Muqaddimah

فصل
Read with the dictionary

وأما المتصوفة فرياضتهم دينية وعرية عن هذه المقاصد المذمومة، وإنما يقصدون جمع الهمة والإقبال على الله بالكلية ليحصل لهم أذواق أهل العرفان والتوحيد، ويزيدون في رياضتهم إلى الجمع والجوع التغذية بالذكر، فبها تتم وجهتهم في هذه الرياضة. لأنه إذا نشأت النفس على الذكر كانت أقرب إلى العرفان بالله، وإذا عريت عن الذكر كانت شيطانية. وحصول ما يحصل من معرفة الغيب والتصرف لهؤلاء المتصوفة إنما هو بالعرض، ولا يكون مقصودا من أول الأمر، لأنه إذا قصد ذلك كانت الوجهة فيه لغير الله، وإنما هي لقصد التصرف والاطلاع على الغيب، وأخسر بها صفقة فإنها في الحقيقة شرك. قال بعضهم: " من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني " . فهم يقصدون بوجهتهم المعبود لا لشيء سواه. وإذا حصل في أثناء ذلك ما يحصل فبالغرض وغير مقصود لهم. وكثير منهم يفر منه إذا عرض له ولا يحفل به، وإنما يريد الله لذاته لا لغيره. وحصول ذلك لهم معروف. ويسمون ما يقع لهم من الغيب والحديث على الخواطر فراسة وكشفاً، وما يقع لهم من التصرف كرامة، وليس شيء من ذلك بنكير في حقهم. وقد ذهب إلى إنكاره الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني وأبو محمد بن أبي زيد المالكي في آخرين فراراً من التباس المعجزة بغيرها. والمعول عليه عند المتكلمين حصول التفرقة بالتحدي فهو كاف. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن فيكم محدثين وإن منهم عمر " . وقد وقع للصحابة من ذلك وقائع معروفة تشهد بذلك في مثل قول عمر رضي الله عنه: " يا سارية! الجبل " . وهو سارية بن زنيم، كان قائداً على بعض جيوش المسلمين بالعراق أيام الفتوحات، وتورط مع المشركين في معترك وهم بالانهزام، وكان بقربه جبل يتجهز إليه، فرفع لعمر ذلك وهو يخطب على المنبر بالمدينة فناداه: " يا سارية! الجبل " وسمعه سارية وهو بمكانه، ورأى شخصه هنالك، والقصة معروفة. ووقع مثله أيضاً لأبي بكر في وصيته عائشة ابنته رضي الله عنهما في شأن ما نحلها من أوسق التمر من حديقته، ثم نبهها على جذاذه لتحوزه عن الورثة. فقال في سياق كلامه: " وإنما هما أخواك وأختاك فقالت: " إنما هي أسماء فمن الأخرى، فقال: إن ذا بطن بنت خارجة أراها جارية " ، فكانت جارية. وقع في الموطأ في باب ما لا يجوز من النحل. ومثل هذه الوقائع كثيرة لهم ولمن بعدهم من الصالحين وأهل الاقتداء. إلا أن أهل التصوف يقولون إنه يقل في زمن النبوة إذ لا يبقى للمريد حالة بحضرة النبي، حتى أنهم يقولون إن المريد إذا جاء للمدينة النبوية يسلب حاله ما دام فيها حتى يفارقها. والله يرزقنا الهداية، ويرشدنا إلى الحق.

فصل

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account