The Muqaddimah

الفكر الإنساني
Read with the dictionary

واعلم أيها المتعلم أني أتحفك بفائدة في تعلمك، فإن تلفيتها بالقبول وأمسكتها بيد الصناعة، ظفرت بكنز عظيم وذخيرة شريفة. وأقدم لك مقدمة تعينك في فهمها، وذلك أن الفكر الإنساني طبيعة مخصوصة، فطرها الله كما فطر سائر مبتدعاته، وهو وجدان حركة للنفس، في البطن الأوسط من الماغ. تارة يكون مبدءاً للأفعال الإنسانية على نظام وترتيب، وتارة يكون مبدءاً لعلم ما لم يكن حاصلاً بأن يتوجه إلى المطلوب. وقد يصور طرفيه ويروم نفيه أو إثباته، فيلوح له الوسط الذي يجمع بينهما، أسرع من لمح البصر إن كان واحداً. وينتقل إلى تحصيل وسط آخر إن كان متعدداً، ويصير إلى الظفر بمطلوبه. هذا شأن هذه الطبيعة الفكرية التي تميز بها البشرمن بين سائر الحيوانات.

ثم الصناعة المنطقية هي كيفية فعل هذه الطيعة الفكرية النظرية، تصفه ليعلم سداده من خطئه. لأنها وإن كان الصواب لها ذاتياً، إلا أنه قد يعرض لها الخطأ في الأقل من تصور الطرفين على غير صورتهما ومن اشتباه الهيئات في نظم القضايا وترتيبها للنتائج، فتعين المنطق على التخلص من ورطة هذا الفساد إذا عرض. فالمنطق، إذا، مر صناعي مساوق للطبيعة الفكرية ومنطبق على صورة فعلها، ولكونه أمراً صناعياً استغني عنه في الأكثر. ولذلك تجد كثيراً من فحول النظار في الخليقة يحصلون على المطالب في العلوم دون صناعة علم المنطق، ولا سيما مع صدق النية والتعرض لرحمة الله تعالى، فإن ذلك أعظم معنى. ويسلكون بالطبيعة الفكرية على سدادها، فتفضي بهم لطبع إلى حصول الوسط والعلم بالمطلوب كما فطرها الله عليه.

ثم من دون هذا الأمر الصناعي، الذي هو المنطق، مقدمة أخرى من التعليم وهي معرفة الألفاظ، ودلالتها على المعاني الذهنية تردها من مشافهة الرسوم بالكتاب ومشافهة اللسان بالخطاب. فلا بد أيها المتعلم من مجاوزتك هذه الحجب كلها إلى الفكر في مطلوبك.

فأولاً: دلالة الكتابة المرسومة على الألفاظ المقولة وهي أخفها، ثم دلالة الألفاظ المقولة على المعاني المطلوبة، ثم القوانين في ترتيب المعاني للاستدلال في قوالبها المعروفة في صناضة المنطق، ثم تلك المعاني مجردة في الفكر اشتراكاً يقتنص بها المطلوب بالطبيعة الفكرية بالتعرض لرحمة الله ومواهبه. وليس كل أحد يتجاوز هذه للمراتب بسرعة، ولا يقطع هذه الحجب في التعليم بسهولة ، بل ربما وقف الذهن في حجب الألفاظ بالمناقشات أو عثر في اشتراك الأدلة بشغب الجدال والشبهات، فقعد عن تحصيل المطلوب. ولم يكد يتخلص من تلك الغمرة إلا قليلاً ممن هداه الله.

فإذا ابتليت بمثل ذلك وعرض لك ارتباك في فهمك أوتشغيب بالشبهات في ذهنك، فاطرح ذلك وانتبذ حجب الألفاظ وعوائق الشبهات، واترك الأمر الصناعي جملة واخلص إلى فضاء الفكر الطبيعي الذي فطرت عليه. وسرح نظرك فيه وفرغ ذهنك فيه للغوص على مرامك منه، واضعاً قدمك حيث وضعها أكابر النظار قبلك، متعرضاً للفتح من الله، كما فتح عليهم من رحمته وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون. فإذا فعلت ذلك أشرقت عليك أنوار الفتح من الله بالظفر بمطلوبك، وحصل الإمام الوسط الذي جعله الله من مقتضيات هذا الفكر وفطرك عليه كما قلناه. وحينئذ فارجع به إلى قوالب الأدلة وصورها، فأفرغه فيها ووفه حقه من القانون الصناعي، ثم اكسه صور الألفاظ وأبرزه إلى عالم الخطاب والمشافهة وثيق العرى صحيح البنيان.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account