واعتبر ذلك في أمة الفرس كيف كانت قد ملأت العالم كثرة، ولما فنيت حاميتهم في أيام العرب، بقي منهم كثير وأكثر من الكثير. يقال أن سعداً أحصى ما وراء المدائن فكانوا مائة ألف وسبعة وثلاثين ألفاً، منهم سبعة وثلاثون ألفاً رب بيت. ولما تحصلوا في ملكة العرب وقبضة القهر لم يكن بقاؤهم إلا قليلاً، ودثروا كأن لم يكونوا. ولا تحسبن أن ذلك لظلم نزل بهم أوعدوان شملهم، فملكة الإسلام في العدل ما علمت، وإنما هي طبيعة في الإنسان إذا غلب على أمره، وصار آلة لغيره. ولهذا إنما تذعن للرق في الغالب أمم السودان لنقص الإنسانية فيهم، وقربهم من عرض الحيوانات العجم كما قلناه، أو من يرجو بانتظامه في ربقة الرق حصول رتبة أو إفادة مال أو عز كما يقع لممالك الترك بالمشرق والعلوج من الجلالقة والإفرنجة بالأندلس، فإن العادة جارية باستخلاص الدولة لهم، فلا يأملون من الرق لما يأملونه من الجاه والرتبة باصطفاء الدولة. والله سبحانه وتعالى أعلم، وبه التوفيق.
الفصل الخامس والعشرون
في أن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط
وذلك أنهم بطبيعة التوحش الذي فيهم أهل انتهاب وعيث، ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر، ويفرون إلى منتجعهم بالقفر، ولا يذهبون إلى المزاحفة والمحاربة إلا إذا دفعوا بذلك عن أنفسهم. فكل معقل أو مستصعب عليهم فهم تاركوه إلى ما يسهل عنه، ولا يعرضون له. والقبائل الممتنعة عليهم بأوعار الجبال بمنجاة من عيثهم وفسادهم، لأنهم لا يتسنمون إليهم الهضاب، ولا يركبون الصعاب ولا يحاولون الخطر. وأما البسائط متى اقتدروا عليها بفقدان الحامية وضعف الدولة فهي نهب لهم وطعمة لأكلهم، يرددون عليها الغارة والنهب والزحف لسهولتها عليهم، إلى أن يصبح أهلها مغلبين لهم، ثم يتعاورونهم باختلاف الأيدي وانحراف السياسة، إلى أن ينقرض عمرانهم. والله قادر على خلقه، وهو الواحد القهار لا رب غيره.
الفصل السادس والعشرون
في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان..
أسرع إليها الخراب والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلقاً وجبلة، وكان عندهم ملذوذاً لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم، وعدم الانقياد للسياسة. وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له. فغاية الأحوال العادية كلها عندهم الرحلة والتغلب وذلك مناقض للسكون الذي به العمران ومناف له. فالحجر مثلاً إنما حاجتهم إليه لنصبه أثافي للقدر، فينقلونه من المباني ويخربونها عليه، ويعدونه لذلك. والخشب أيضاً إنما حاجتهم إليه ليعمدوا به خيامهم ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم فيخربون السقف عليه لذلك. فصارت طبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو أصل العمران. هذا في حالهم على العموم.
وأيضاً فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس، وأن رزقهم فى ظلال رماحهم، وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه، بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه. فإذا تم اقتدارهم على ذلك بالتغلب والملك بطلت السياسة في حفظ أموال الناس وخرب العمران.
وأيضاً فلأنهم يتلفون على أهل الأعمال من الصنائع والحرف أعمالهم، لا يرون لها قيمة ولا قسطاً من الأجر والثمن، والأعمال كما سنذكره هي أصل المكاسب وحقيقتها، وإذا فسدت الأعمال وصارت مجاناً، ضعفت الآمال في المكاسب، وانقبضت الأيدي عن العمل، وابذعر الساكن، وفسد العمران.
وأيضاً فإنهم ليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض، إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهباً أو مغرماً، فإذا توصلوا إلى ذلك وحصلوا عليه أعرضوا عما بعده من تسديد أحوالهم والنظر في مصالحهم وقهر بعضهم عن أغراض المفاسد. وربما فرضوا العقوبات في الأموال حرصاً على تحصيل الفائدة والجباية والاستكثار منها كما هو شأنهم، وذلك ليس بمغن في دفع المفاسد وزجر المتعرض لها، بل يكون ذلك زائداً فيها لاستسهال الغرم في جانب حصول الغرض، فتبقى الرعايا في ملكتهم كأنها فوضى دون حكم. والفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمران، بما ذكرناه أن وجود الملك خاصة طبيعية للإنسان لا يستقيم وجودهم واجتماعهم إلا بها، وتقدم، ذلك أول الفصل.