The Life of Saladin

ذكر نبذ من حلمه وعفوه رحمه الله
Read with the dictionary

ورأيته وقد وصل إليه خبر وفاة تقي الدين ابن أخيه ونحن في مقابلة الإفرنج جريدة على الرملة وبيننا وبينهم شوط فرس لا غير فأحضر الملك العادل وعلم الدين سليمان وسابق الدين وعز الدين وأمر بالناس فطردوا من قريب الخيمة بحيث لم يبق حولها أحد زيادة عن غلوة سهم ثم أظهر الكتاب ووقف عليه وبكى بكاءً شديداً حتى أبكانا من غير أن نعلم السبب ثم قال رحمه الله والعبرة تحنقه توفي تقي الدين فاشتد بكاؤه وبكاء الجماعة ثم عدت إلى نفسي فقلت استغفروا الله تعالى من هذه الحالة وانظروا أين وفيم أنتم وأعرضوا عما سواه فقال رحمه الله نعم أستغفر الله وأخذ يكررها ثم قال لا يعلم أحد واستدعى بشيء من الماورد فغسل عينيه ثم أشخص الطعام وحضر الناس ولم يعلم بذلك أحد حتى عاد العدو إلى يافا وعدنا نحن إلى النطرون وهو مقر ثقلنا.

وكان رحمه الله شديد الشغف والشفقة بأولاده الصغار وهو صابر على مفارقتهم راض ببعدهم وكان صابراً على مر العيش وخشونته مع القدرة التامة على غير ذلك احتساباً لله تعالى. اللهم إن ترك ذلك ابتغاء مرضاتك فارض عنه وارحمه.

ذكر نبذ من حلمه وعفوه رحمه الله

قال الله سبحانه وتعالى: " والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " . لقد كان متجاوزاً قليل الغضب ولقد كنت في خدمته بمرج عيون قبل خروج الإفرنج إلى عكا يسر الله فتحها وكان من عادته أن يركب في وقت الركوب ثم ينزل فيمد الطعام ويأكل مع الناس ثم ينهض إلى خيمة خاصة له ينام فيها ثم يستيقظ من منامه ويصلي ويجلس خلوة وأنا في خدمته نقرأ شيئاً من الحديث أو شيئاً من الفقه، ولقد قرأ علي كتاباً مختصراً تصنيف الرازي يشتمل على الأرباع الأربعة من الفقه ونزل يوماً على عادته ومد الطعام بين يديه ثم عزم على النهوض فقيل له أن وقت الصلاة قد قرب فعاد إلى الجلوس وقال نصلي وننام ثم جلس يتحدث حديث متضجر وقد أخلا المكان إلا ممن لزم فتقدم إليه مملوك كبير محترم عنده وعرض عليه قصة لبعض المجاهدين فقال هل أنا الآن ضجران أخرها ساعة فلم يفعل وقدم القصة إلى قريب من وجهه الكريم بيده وفتحها بحيث يقرأها فوقف على الاسم المكتوب في رأسها فعرفه فقال رجل مستحق فقال يوقع المولى له فقال ليست الدواة حاضرة الآن وكان رحمه الله جالساً في باب الخركاه بحيث لا يستطيع أحد الدخول إليها والدواة في صدرها والخركاه كبيرة فقال له المخاطب هذه الدواة في صدر الخركاه وليس لهذا معنى إلا أمره إياه بإحضار الدواة لا غير فالتفت رحمه الله فرأى الدواة فقال والله لقد صدق ثم امتد على يده اليسرى ومد يده اليمنى فأحضرها ووقع له فقلت قال الله تعالى في حق نبيه صلّى الله عليه وسلّم وإنك لعلى خلق عظيم. وما أرى المولى إلا قد شاركه في هذا الخلق فقال ما ضرنا شيئاً قضينا حاجته وحصل الثواب ولو وقعت هذه المواقعة لآحاد الناس وأفرادهم لقام وقعد ومن الذي يقدر أن يخاطب أحداً هو تحت حكمه بمثل ذلك وهذا غاية الإحسان والحلم والله لا يضيع أجر المحسنين.

ولقد كانت طراحته تداس عند التزاحم عليه لعرض القصص وهو لا يتأثر لذلك ولقد نفرت يوماً بلغتي من الجمال وأنا راكب في خدمته فزحمت وركه حتى آلمته وهو يتبسم رحمه الله. ولقد دخلت بين يديه في يوم ريح مطير إلى القدس الشريف وهو كثير الوحل فنضحت البغلة عليه من الطين حتى أتلفت جميع ما كان عليه وهو يتبسم وأردت التأخر عنه بسبب ذلك فما تركني.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account