وذلك أنه لما رأى العساكر قد اجتمعت جمع أرباب الرأي وقال إن الأنكتار قد مرض مرضاً شديداً والافرنسيسية قد ساروا راجعين ليعبروا من البحر من غير شك ونفقاتهم قد قلت وهذا العدو قد أمكن الله منه وأرى أن نسير إلى يافا فإن وجدنا فيها مطمعاً بلغناه وإلا عدنا تحت الليل إلى عسقلان فما تلحقنا النجدة إلا وقد نلنا منها غرضاً فرأوا ذلك رأياً. وتقدم إلى جماعة من الأمراء كعز الدين جرديك وجمال الدين فرج وغيرهما بالمسير في ليلة الخميس سادس عشر شعبان حتى يكونوا قريباً من يافا في صورة يزك يستطلعون كم فيها من الخيالة والرجالة بالجواسيس ثم يعرفونه ذلك فساروا، هذا ورسل الأنكتار لا تنقطع في طلب الفاكهة والثلج ووقع عليه في مرضه شهوة الكمثرى والخوخ فكان السلطان يمده بذلك ويقصد كشف الأخبار بتواتر الرسل والذي انكشف من الأخبار أن فيها ثلاثمائة فارس على قول المكثر ومائتي فارس على قول المقل وإن الكندهري يتردد بينه وبين الفرنسية في مقامهم وهم عازمون على عبور البحر قولاً واحداً وأنهم لا عناية بسور البلد وإنما عنايتهم بعمارة سور القلعة وكان الأنكتار قد طلب الحاجب أبا بكر العادلي وكان له معه انبساط عظيم فلما تحقق السلطان الأخبار أصبح يوم الخميس راحلاً إلى جهة الرملة فنزل بها ضاحي نهار ووصل الخبر من المغيرين يقولون إنا أغرنا على يافا فلم يخرج إلا نحو ثلاثمائة فارس معظمهم على بغال فأمرهم السلطان بمقامهم هناك ثم وصل الحاجب أبو بكر ومعه رسول من عند الملك يشكر السلطان على إنعامه بالفواكه والثلج وذكر أبو بكر أنه تفرد به وقال له قل لأخي الملك العادل يبصر كيف يتوصل إلى السلطان في معنى الصلح ويستوهب لي منه عسقلان وأمضي أنا ويبقى هو في هذه الشرذمة اليسيرة يأخذ البلاد منهم فليس لي غرض إلا إقامة جاهي بين الإفرنج وإن لم ينزل السلطان عن عسقلان فيأخذ لي منه عوضاً عن خسارتي على عمارة سورها.
فلما سمع السلطان سيرهم إلى الملك العادل وأسرّ إلى ثقة عنده أن يمضي إلى الملك العادل ويقول له إن نزلوا عن عسقلان فصالحهم فإن العسكر قد ضجروا من ملازمة البيكار والنفقات قد نفدت فسار ضحى الجمعة سابع عشر شعبان.
ذكر الإجابة إلى النزول عن عسقلان
ولما كان غروب الشمس من اليوم المذكور أنفذ بدر الدين دلدرم من اليزك يقول أنه قد خرج إلينا خمسة أنفس منهم شخص مقدم عند الملك يسمى هوات، وذكروا أن لهم معنا حديثاً فهل أسمع حديثهم أو لا؟ فأذن له السلطان في ذلك، ولما كانت العشاء الآخرة حضر بدر الدين بنفسه وأخبر أن حديثهم كان أن الملك قد نزل عن عسقلان وعن طلب العوض عنها وقد صح مقصوده في الصلح، فأعاده السلطان ثانية لينفذ إليه ثقة يأخذ يده على ذلك ويقول أن السلطان قد جمع العساكر وما يمكنني أن أحدثه هذا الحديث إلا بأن أثق أنك لا ترجع وبعد ذلك أحدثه، وسار بدر الدين على هذه القاعدة وكتب إلى الملك العادل يخبره بما جرى.
ولما كان يوم السبت ثامن عشر شعبان أنفذ بدر الدين وذكر أنه أخذ يده على هذه القاعدة بمن يثق به وأن حدود البلاد على ما استقر في الدفعة الأولى مع الملك العادل فأحضر السلطان الديوان فذكروا يافا وأعمالها وأخرج الرملة ويبنا ومجدل يابا، ثم ذكر قيسارية وأعمالها وأرسوف وأعمالها وحيفا وأعمالها وعكا وأعمالها، وأخرج منها الناصرة وصفورية وأثبت الجميع في ورقة وكتب جواب الكتاب وأنفذه على يد طرنطاي مع الرسول، وكان قد وصل الرسول لتحرير القاعدة مع بدر الدين في عصر السبت وقال للرسول هذه حدود البلاد التي تبقى في أيديكم فإن صالحتم على ذلك فمبارك قد أعطيتم يدي ولينفذ الملك من يحلف ويكون ذلك في غداة غد، وإلاّ فيعلم أن هذا تدفيع ومماطلة ويكون الأمر قد انفصل من بيننا، وساروا في بكرة الأحد على هذه القاعدة.