في هذه السنة سير السلطان أخاه سيف الإسلام طغتكين إلى بلاد اليمن ليملكها ويقطع الفتن منها وكان بها حطان بن منقذ الكناني وعز الدين عثمان الزنجيلي قد عاد إلى ولايتها فإن الأمير الذي كان السلطان سيره نائباً إلى اليمن تولى وعزلهما فعادت بين حطان وعثمان الفتن قائمة فوصل سيف الإسلام إلى زبيد فتحصن حطان في بعض القلاع فلم يزل سيف الإسلام يتلطف به حتى نزل إليه فأحسن صحبته ثم إن حطان طلب دستوراً إلى الشام فلم يجبه إلا بعد جهد فجهز حطان أثقاله قدامه ودخل حطان ليودع سيف الإسلام فقبض عليه وأرسل فاسترجع أثقاله وأخذ جميع أمواله. وكان من جملة ما أخذه سيف الإسلام سبعون غلاف زردية مملوءة ذهباً عيناً ثم سجن حطان في بعض قلاع اليمن فكان آخر العهد به. فأما عثمان الزنجيلي فإنه لما جرى لحطان ذلك خاف وسار نحو الشام وسير أمواله في البحر فصادفهم مركب فيها أصحاب سيف الإسلام فأخذوا كل ما لعثمان وصفت بلاد اليمن لسيف الإسلام.
ذكر غارات السلطان صلاح الدين
وما استولى عليه من البلاد
وفي هذه السنة سار السلطان من دمشق في ربيع الأول ونزل قريب من طبرية شن الغارات على بلاد الإفرنج مثل بانياس وجبنين والغور فغنم وقتل وعاد إلى دمشق ثم سار من دمشق إلى البلاد الجزرية وعبر الفرات من البيرة فسار معه مظفر الدين بن زين وكان حينئذ صاحب حران وكاتب السلطان ملوك تلك الأطراف واستمالهم فأجابه نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا وسار معه ونازل السلطان الرها وحصرها وملكها وسلمها إلى مظفر الدين كوكبوري بن قطب الدين بن ينال حسان المنبجي فسار ينال إلى عز الدين مسعود صاحب الموصل ثم سار صلاح الدين إلى الخابور وملك قرسيسية وماكسين وعربان والخابور واستولى على خابور جصيعة ثم سار إلى نصيبين وحاصرها وملك المدينة ثم ملك القلعة ثم أقطع نصيبين أميراً كان معه يقال له أبو الهيجاء السمين ثم سار عن نصيبين وقصد الموصل وقد استعد صاحبها عز الدين مسعود ومجاهد الدين قيماز للحصار وشحنوها بالرجال والسلاح فحصر الموصل وأقام عليها منجنيقاً فأقاموا عليه من داخل المدينة تسعة مناجيق وضايق الموصل فنزل السلطان محاذاة باب كندة ونزل صاحب حصن كيفا على باب الجسر ونزل تاج الملوك توري أخو صلاح الدين على باب العمادي وجرى القتال بينهم وكان ذلك في شهر رجب فلما رأى أن حصارها يطول رحل عن الموصل إلى سنجار وحاصرها وملكها واستناب بها سعد الدين بن معين الدين من أكابر الأمراء وأحسنهم صورة ومعنى ثم سار السلطان إلى حران وعزل في طريقه عن نصيبين أبا الهيجاء السمين.
ذكر غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة عمل البرنس صاحب الكرك أسطولاً في بحر أيلة وسار في البحر فرقتان فرقة أقامت على حصن أيلة يحصرونه وفرقة سارت نحو عيداب يفسدون في السواحل وبغتوا المسلمين في تلك النواحي فإنهم لم يعهدوا بهذا البحر إفرنجاً قط وكان بمصر الملك العادل أبو بكر نائباً عن أخيه السلطان فعمر أسطولاً في بحر عيداب وأرسله مع حسام الدين الحاجب لؤلؤ مجدّاً في طلبهم وأوقع بالذين يحاصرون أيلة فقتلهم وأسرهم ثم سار في طلب الفرقة الثانية وكانوا قد عزموا على الدخول إلى الحجاز ومكة والمدينة حرسهما الله تعالى فسار لؤلؤ يقفو أثرهم فبلغ رابغ فأدركهم بساحل الخوار وتقاتلوا أشد قتال فظفره الله تعالى بهم وقتل لؤلؤاً أكثرهم وأخذ الباقين أسرى وأرسل بعضهم إلى منى لينحروا بها وعاد بالباقين إلى مصر فقتلوا عن آخرهم.
وفي هذه السنة توفي عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك وكان ينوب عن صلاح الدين بدمشق وهو ثقته من بين أهله وكان فرخشاه شجاعاً كريماً فاضلاً وله شعر جيد ووصل خبر موته إلى صلاح الدين وهو في البلاد الجزرية فأرسل إلى دمشق شمس الدين بن محمد بن عبد الملك المقدم ليكون بها وأقر بعلبك على بهرام شاه بن فرخشاه المذكور.
وفيها توفي بدمشق مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري الفقيه الشافعي ولد سنة خمس وخمسمائة وهو الملقب قطب الدين وكان إماماً فاضلاً في العلوم الدينية قدم إلى دمشق وصنف عقيدة للسلطان صلاح الدين وكان السلطان يقرئها أولاده الصغار.
ذكر ما ملكه السلطان صلاح الدين من البلاد