ولما فرغ السلطان من أمر هذه البلاد والهدنة سار إلى حلب ثالث شعبان وسار منها إلى دمشق وأعطى عماد الدين زنكي دستوراً وكذلك أعطى غيره من العساكر الشرقية وجعل طريقة لما رحل من حلب على قبر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فزاره وزار الشيخ الصالح أبا زكريا المغربي وكان مقيماً هناك وكان من عباد الله تعالى الصالحين وله كرامات ظاهرة. وكان مع السلطان أبو فليتة الأمير قاسم بن مهنا الحسيني صاحب مدينة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وشهد معه مشاهده وفتوحاته وكان السلطان يتبرك برؤيته ويتيمن بصحبته ويرجع إلى قوله ودخل السلطان دمشق في شهر رمضان المعظم فأشير عليه بتفريق العساكر ليريحوا ويستريحوا فقال السلطان إن العمر قصير والأجل غير مأمون وكان السلطان لما سار إلى البلاد الشمالية قد جعل على الكرك وغيرها من يحاصرها وخلى أخاه العادل في تلك الجهات يباشر ذلك فأرسل أهل الكرك يطلبون الأمان فأمر الملك العادل المباشرين لحصارها بتسلمها فتسلموا الكرك والشوبك وما بتلك الجهات من البلاد.
ثم سار السلطان من دمشق في منتصف رمضان إلى صفد فحصرها في ذي القعدة وسير أهلها إلى صور وكان اجتماع أهل هذه القلاع في صور من أعظم أسباب الضرر على المسلمين ظهر ذلك فيما بعد ثم سار السلطان إلى القدس فعيّد فيه عيد الأضحى ثم سار إلى عكا فأقام فيها حتى انسلخت السنة.
وفي هذه السنة أرسل قزل ابن الدكز يستنجد بالخليفة الإمام الناصر على طغريل بن أرسلان بن طغريل السلجوقي ويحذره عاقبة أمره فأرسل الخليفة عسكر إلى طغريل والتقوا ثامن ربيع الأول قرب همذان فانهزم عسكر الخليفة وغنم طغريل أموالهم وأسر مقدم العسكر جلال عبد الله وزير الخليفة.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة وفيها سار صلاح الدين ونزل بمرج عيون وحضر إليه صاحب شقيف أرنون وبذل له تسليم الشقيف بعد مدة ضربها خديعة منه فلما بقي للعدة ثلاثة أيام استحضره السلطان وكان اسم صاحب الشقيف أرناط فقال له السلطان في التسليم فقال لا يوافقني عليه أهلي فأمسكه السلطان وبعثه إلى دمشق فحبس.
ذكر حصار الإفرنج عكا
كان قد اجتمع بصور أهل البلاد التي أخذها السلطان بالأمان فكثر جمعهم حتى ساروا في عالم لا تحصى كثرته وأرسلوا إلى البحرين يستنجدون وصوروا صورة المسيح وصورة عربي يضرب المسيح وقد أدماه وقالوا هذا نبي العرب يضرب المسيح فخرجت النساء من بيوتهن ووصل من الإفرنج في البحر عالم لا يحصون كثرة وساروا إلى عكا من صور ونازلوها في منتصف رجب من هذه السنة وضايقوا عكا وأحاطوا بسورها من البحر إلى البحر ولم يبق للمسلمين إليها طريق فسار إليهم السلطان ونزل قريب الإفرنج وقاتلهم في مستهل شعبان وباتوا على ذلك وأصبحوا فحمل تقي الدين صاحب حماة في ميمنة السلطان على الإفرنج فأزالهم عن موقفهم والتصق بالسور وانفتح الطريق إلى المدينة يدخل المسلمون ويخرجون وأرسل السلطان إلى عكا عسكر نجدة ولحق من جملتهم أبو الهيجاء السمين وبق المسلمون يغادون القتال ويراحونه إلى العشرين من شعبان ثم كان بين المسلمين وبينهم وقعة عظيمة فإن الإفرنج اجتمعوا وضربوا مع السلطان مصاف وحملوا على القلب فأزالوه وأخذوا يقتلون في المسلمين إلى أن بلغوا خيمة السلطان وانحاز السلطان إلى جانب وانضافت إليه جماعة وانقطع مدد الإفرنج واشتغلوا بقتال الميمنة فحمل السلطان على الإفرنج الذين خرقوا القلب وعطف عليهم العسكر فأفنوهم قتلاً وكان قتلى الإفرنج نحو عشرة آلاف نفس ووصل المنهزمون بعضهم إلى طبرية وبعضهم وصل إلى دمشق.
وجافت الأرض بعد هذه الوقعة ولحق السلطان مرض وحدث له قولنج فأشار عليه الأمراء بالانتقال من ذلك الموضع فوافقهم ورحل من عكا رابع عشر شهر رمضان إلى الخروبة فلما رحل تمكن الإفرنج من حصار عكا وانبسطوا في تلك الأرض. وفي تلك الحال وصل أسطول للمسلمين في البحر مع حسام الدين لؤلؤ وكان شهماً فظفر ببطسة للإفرنج فأخذها ودخل بها إلى عكا فقويت قلوب المسلمين وكذلك وصل الملك العادل بعسكر مصر إلى أخيه السلطان فقويت نفوس المسلمين بوصوله.
ذكر غير ذلك من الحوادث
فيها توفي بالخروبة الفقيه عيسى وكان مع السلطان وهو من أعين عسكره وكان جندياً فقيهاً شجاعاً وكان من أصحاب الشيخ أبي القاسم البرزي.