ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج إلى بيت الله الحرام. وكان رحمة الله عليه حسن العقيدة كثير الذكر لله تعالى قد أخذ عقيدته على الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء وفهم من ذلك ما يحتاج إلى تفهمه بحيث كان إذا جرى الكلام بين يديه يقول فيه قولاً حسناً وإن لم يكن بعبارة الفقهاء فتحصل من ذلك سلامة عقيدته عن كدر التشبيه. غير مارق سهم النظر إلى التعطيل والتمويه جارية على نمط الاستقامة موافقة لقانون النظر الصحيح مرضية عند أكابر العلماء، وكان قد جمع له الشيخ قطب الدين النيسابوري عقيدة تجمع جميع ما يحتاج إليه في هذا الباب. وكان شدة حرصه عليها يعلمها الصغار من أولاده حتى ترسخ في أذهانهم في الصغر ورأيته وهو يأخذها عليهم وهم يلقونها من حفظهم بين يديه.
وأما الصلاة فإنه كان رحمه الله تعالى شديد المواظبة عليها بالجماعة حتى أنه ذكر يوماً أن له سنين ما صلي إلا جماعة. وكان إن مرض يستدعي الإمام وحده ويكلف نفسه القيام ويصلي جماعة. وكان يواظب على السنين الرواتب، وكان له صلوات يصليها إذا استيقظ في الليل وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح ولم يكن يترك الصلاة ما دام عقله عليه. ولقد رأيته قدس الله روحه يصلي في مرضه الذي مات فيه قائماً وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه. وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلى.
وأما الزكاة فإنه مات رحمه الله تعالى ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة وأما صدقة النفل فإنها استرقت جميع ما ملكه من الأموال فإنه ملك ما ملك ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً ناصرية وجرماً واحداً ذهباً ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئاً من أنواع الأملاك.
وأما صوم رمضان فإنه كان عليه منه فوائت بسبب أمراض تواترت عليه في رمضانات متعددة وكان القاضي الفاضل قد تولى ثبت تلك الأيام وشرع رحمه الله في قضاء تلك الفوائت بالقدس الشريف في السنة التي توفي فيها وقد واظب على الصوم مدة حتى بقيت عليه فوائت رمضانين شغلته الأمراض وملازمة الجهاد عن قضائها ومع كون الصوم لا يوافق مزاجه ألهمه الله تعالى الصوم وأقدره على ما قضاه من تلك الفوائت فكان يصوم وأنا أثبت الأيام التي يصومها لأن القاضي كان غائباً وكان الطبيب يلوم وهو لا يسمع ويقول لا أعلم ما يكون فكأنه كان ملهماً ما يراد به رحمه الله تعالى.
وأما الحج فإنه كان لم يزل عازماً عليه وناوياً له سيما في العام الذي توفي فيه فإنه صمم العزم عليه وأمر بالتأهب وعملنا الرفادة ولم يبق إلا المسير فاعتاق عن ذلك بسبب ضيق الوقت وخلو اليد عما يليق بأمثاله فأخر إلى العام المستقبل فقضى الله ما قضى وهذا شيء اشترك في العلم به الخاص والعام.
وكان رحمه الله تعالى يحب سماع القرآن العظيم ويستجيد إمامه ويشترط أن يكون عالماً بعلم القرآن العظيم متقناً لحفظه. وكان يستقرئ من يحرسه في الليل وهو في برجه الجزءين والثلاثة والأربعة وهو يسمع. وكان يستقرئ وهو في مجلسه العام من جرت عادته بذلك الآية والعشرين والزائد على ذلك ولقد اجتاز على صغير بين يدي أبيه وهو يقرأ القرآن فاستحسن قراءته فقربه وجعل له حظاً من خاص طعامه ووقف عليه وعلى أبيه جزأ من مزرعة.
وكان رحمه الله تعالى خاشع القلب رقيقه غزير الدمعة إذا سمع القرآن يخشع قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته. وكان رحمه الله شديد الرغبة في سماع الحديث ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع عليه فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده ومماليكه المختصين به وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالاً له. وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم سعى إليه وسمع عليه. تردد إلى الحافظ الأصفهاني بالإسكندرية حرسها الله تعالى وروى عنه أحاديث كثيرة.
وكان رحمه الله تعالى يحب أن يقرأ الحديث بنفسه وكان يستحضرني في خلوته ويحضر شيئاً من كتب الحديث ويقرؤها هو فإذا مر بحديث فيه عبرة رق قلبه ودمعت عينه.