ثم رحل السلطان مستصحباً أخاه الملك العادل معه إلى دمشق لا يلسه عن الكرك بعد نزول الإفرنج عليها فدخل دمشق في الرابع والعشرين من شعبان وأعطى أخاه الملك العادل حلب بعد مقامه بدمشق إلى ثاني يوم من شهر رمضان وكان بها ولده الملك الظاهر ومعه سيف الدين يازكج يدبر أمره وابن العميد في البلد وكان الملك الظاهر من أحب الأولاد إلى قلبه لما خصه الله به من الشهامة والفطنة والعقل وحسن السمت والشغف بالملك وظهور ذلك كله وكان أبر الناس بوالده وأطوعهم له ولكن أخذ منه حلب لمصلحة رآها فخرج من حلب لما دخل الملك العادل هو ويازكج سائرين إلى خدمة السلطان فدفع دمشق الثامن عشر من شوال فأقام في خدمة أبيه لا يظهر له إلا الطاعة والانقياد مع انكسار في باطنه لا يخفى عن نظر والده وفي ذلك الشهر وردنا على السلطان رسلا من جانب الموصل وكنا قد توسلنا إلى الخليفة الناصر لدين الله في إنفاذ شيخ الشيوخ بدر الدين رسولاً وشعيعاً إلى السلطان فسيره معنا من بغداد وكان غزير المروءة عظيم الحرمة في دولة الخليفة وفي سائر البلاد وكانت مكانته عند السلطان بحيث يتردد إليه إذا كان عنده في معظم الأيام.
ذكر وصولنا إلى خدمة رسلا
وكان الشيخ قد وصل إلى الموصل وسار منها في صحبة القاضي محيي الدين بن كمال الدين وكان بينهم صحبة من الصبا وكنت مع القوم وسرنا حتى أتينا دمشق وخرج السلطان إلى لقاء الشيخ ونحن في خدمته فلقيه عن بعد وكان دخولنا إلى دمشق يوم السبت حادي عشر ذي القعدة من هذه السنة ولقينا من السلطان كل جميل فيما يرجع إلى الإكرام والاحترام وأقمنا أياماً نراجع في فصل حال فلم يتفق صلح في تلك الوقعة وخرجنا راجعين إلى الموصل وخرج السلطان إلى وداع الشيخ إلى القصر واجتهد في ذلك اليوم أن ينقضي شغل فلم يتفق وكان الوقوف من جانب محيي الدين فإن السلطان اشترط أن يكون صاحب إربل والجزيرة على خيرتهما في الانتماء إليه أو إلى الموصل فقال محيي الدين لا بد من ذكرهما في النسخة فوقف الحال وكان مسيرنا سابع ذي الحجة وفي تلك الدفعة ثبت في نفسه الشريفة مني أمر لم أعرفه إلا بعد خدمتي له وأقام السلطان بدمشق ترد عليه الرسل من الجوانب فوصل رسول سنجر شاه صاحب الجزيرة فاستحتفه لنفسه في الانتماء إليه ورسول إربل وحلف لهما وسارا ووصل إليه أخوه الملك العادل رابع ذي الحجة فأقام عنده وعيد وتوجه إلى حلب المحروسة.
ذكر غزواة أخرى إلى الكرك