كان قدس الله روحه حسن الظن بالله كثير الاعتماد عليه عظيم الإنابة إليه. ولقد شاهدت من آثار ذلك ما أحكيه. وذلك أن الفرنج خذلهم الله كانوا نازلين ببيت نوبة وهو موضع قريب من القدس الشريف حرسها الله تعالى بينهما بعض مرحلة وكان السلطان بالقدس وقد أقام يزكاً على العدو محيطاً به وقد سير إليهم الجواسيس والمخبرين فتواصلت الأخبار بقوة عزمهم على الصعود إلى القدس ومحاصرته وتركيب القنابل عليه واشتدت مخافة المسلمين بسبب ذلك فاستحضر الأمراء وعرفهم ما قد دهم المسلمين من الشدة وشاورهم في الإقامة بالقدس فأتوا بمجاملة باطنها غير ظاهرها وأصر الجميع على أن لا مصلحة في إقامته بنفسه فإنها مخاطرة بالإسلام وذكروا أنهم يقصدونهم ويخرج هو رحمه الله بطائفة من العسكر يكون حول العدو كما كان الحال بعكا ويكون هو ومن معه بصدر منع ميرتهم أو التضييق عليهم ويكونون هم بصدد حفظ البلد والدفع عنه وانفصل مجلس المشورة على ذلك وهو مصر على أن يقيم بنفسه علماً منه أنه إن لم يقم لم يقم أحد فلما انصرف الأمراء إلى بيوتهم جاء من عندهم خبر أنهم لا يقيمون إلا أن يقيم أخوه الملك العادل أو أحد أولاده حتى يكون هو الحاكم عليهم والذي يأتمرون بأمره فعلم أن هذه إشارة منهم إلى عدم الإقامة وضاق صدره وتقسم فكره واشتدت فكرته، ولقد جلست في خدمته في تلك الليلة وكانت ليلة الجمعة من أول الليل إلى أن قارب الصبح وكان الزمان شتاءً وليس معنا ثالث إلا الله تعالى ونحن نقسم أقساماً ونرتب على كل قسم بمقتضاه حتى أخذني الإشفاق عليه والخوف على مزاحه فإنه كان يغلب عليه اليبس فشفعت إليه حتى يأخذ مضجعه لعله ينام ساعة فقال رحمه الله لعلك جاءك النوم ثم نهض فما وصلت إلى بيتي وأخذت لبعض شأني إلا وأذن المؤذن وطلع الصبح وكنت أصلي معه الصبح في معظم الأوقات فدخلت عليه وهو يمر الماء على أطرافه فقال ما أخذني النوم أصلاً فقلت قد علمت فقال من أين فقلت لأني ما نمت وما بقي وقت للنوم ثم اشتغلنا بالصلاة وجلسنا على ما كنا عليه فقلت له قد وقع لي واقع وأظنه مفيداً إن شاء الله تعالى فقال وما هو فقلت له الإخلاد إلى الله تعالى والإنابة إليه. والاعتماد في كشف الغمة عليه. فقال: وكيف نصنع فقلت اليوم الجمعة يغتسل المولى عند الرواح ويصلي على العادة بالأقصى موضع مسرى النبي صلّى الله عليه وسلّم ويقدم المولى التصدق بشيء خفية على يد من يثق به ويصلي المولى ركعتين بين الآذان والإقامة ويدعو الله في سجوده فقد ورد فيه حديث صحيح وتقول في باطنك: إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك ولم يبق إلا الإخلاد إليك والاعتصام بحبلك والاعتماد على فضلك أنت حسبي ونعم الوكيل. فإن الله أكرم من أن يخيب قصدك ففعل ذلك كله وصليت إلى جانبه على العادة وصلى الركعتين بين الآذان والإقامة ورأيته ساجداً ودموعه تتقاطر على شيبته ثم على سجادته ولا أسمع ما يقول فلم ينقض ذلك اليوم حتى وصلت رقعة من عز الدين جرديك وكان على اليزك يخبر فيها أن الفرنج مختبطون وقد ركب اليوم عسكرهم بأسره إلى الصحراء ووقفوا إلى قائم الظهيرة ثم عادوا إلى خيامهم وفي بكرة السبت جاءت رقعة ثانية تخبر عنهم بمثل ذلك. ووصل في أثناء النهار جاسوس أخبر أنهم اختلفوا فذهبت الفرنسيسية إلى أنهم لا بد لهم من محاصرة القدس وذهب الأنكتار وأتباعه إلى أنه لا يخاطر بدين النصرانية ويرميهم في الجبل مع عدم المياه فإن السلطان كان قد أفسد جميع ما حول القدس من المياه أنهم خرجوا للمشورة ومن عادتهم أنهم يتشاورون للحرب على ظهور الخيل وأنهم قد نصوا على عشرة أنفس منهم وحكموهم فأي شيء أشاروا به لا يخالفونهم ولما كانت بكرة الاثنين جاء المبشر يخبر أنهم رحلوا عائدين إلى جهة الرملة فهذا ما شهدته من آثار استنباطه وإخلاده إلى الله تعالى رحمه الله.
ذكر عدله رحمه الله تعالى
روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: الوالي العادل ظل الله في أرضه فمن نصحه في نفسه أو في عباده أظله الله تحت عرشه يوم لا ظل إلا ظله ومن خانه في نفسه أو في عباده خذله الله يوم القيامة، يرفع للوالي العادل في كل يوم عمل ستين صديقاً كلهم عابد مجتهد لنفسه.