The Life of Saladin

ذكر قصة العوام عيسى
Read with the dictionary

وذلك أن العدو لما أحس في نفسه بقوته بسبب توالي النجدات عليهم اشتد طمعهم في البلد وركبوا عليه المنجنيقات من كل جانب وتناوبوا عليها بحيث لا يتعطل رميها ليلاً ولا نهاراً وذلك في أثناء رجب. ولما رأى أهل البلد ما نزل بهم من مضايقة العدو وتعلق طمعهم بهم حركتهم النخوة الإسلامية وكان مقدموه حينئذ أما والي البلد وحارسه فالأمير الكبير بهاء الدين قراقوش، وأما مقدم العسكر فالأمير الكبير الاسفهسلان حسام الدين أبو الهيجاء وكان رجلاً ذا كرم وشجاعة وتقدم في عشيرته، ومضاء في عزيمته فاجتمع رأيهم على أنهم يخرجون إلى العدو فارسهم وراجلهم على غرة وغفلة منهم ففعلوا ذلك وفتحت الأبواب وخرجوا دفعة واحدة من كل جانب ولم يشعر العدو إلا والسيف فيهم حاكم عادل، وسهم قدر الله وقضائه فيهم نافذ نازل، وهجم الإسلام على الكفر في منازله، وأخذ بناصية مناضله ورأس مقاتلة، ولما ولج المسلمون لخيام العدو ذهلوا عن المنجنيقات وحياطتها وحراستها. وحفظها وسياستها. فوصلت شهب الزراقين المقذوفة. وجاءت عوائد الله في نصرة دينه المألوفة. فلم تكن ساعة حتى اضطرمت فيها النيران. وتحرقت منها بيدها ما شيدها الأعداء في المدة الطويلة في أقرب آن. وقتل من العدو سبعون فارساً وأسر خلق عظيم وكان من جملة الأسرى رجل مذكور منهم ظفر به واحد من آحاد الناس ولم يعلم بمكانته. ولما انفصل الحرب سأل الإفرنج عنه هل هو حي أم لا فعرف الذي هو عنده عند سؤالهم أنه رجل كبير فيهم وخاف أن يغلب عليه ويرد بنوع مصانعة أو على وجه من الوجوه فسارع وقتله وبذل الإفرنج فيه أموالاً كثيرة ولم يزالوا يشتدون في طلبه ويحرصون عليه حتى ريئت لهم جثته فضربوا بنفوسهم الأرض وحثوا على رؤوسهم التراب ووقعت عليهم بسبب ذلك خمدة عظيمة وكتموا أمره ولم يظهروا من كان واستصغر المسلمون بعد ذلك أمرهم وهجم عليهم العرب من كل جانب يسرقون وينهبون ويقتلون ويأسرون إلى ليلة نصف شعبان وكان الكندهري قد أنفق على منجنيق كبير عظيم الشكل على ما نقل الجواسيس والمستأمنون ألفاً وخمسمائة دينار وأعده ليقدمه إلى البلد ومنع من حريقه في ذلك اليوم كونه بعيداً عن البلد لم يقدم بعد إليه. ولما كانت الليلة المباركة المذكورة خرج الزراقون والمقاتلة تحفظهم من كل جانب والله يكلأهم فساروا من تحت ستر الله حتى أتوا المنجنيق المذكور وأضرموا فيه النار فاحترق من ساعته ووقع الصياح من الطائفتين وذهل العدو فإنه كان بعيداً من البلد وخافوا أن يكونوا قد أحيط بهم من الجوانب وكان نصراً من عند الله وأحرق بلهيبه منجنيقاً لطيفاً إلى جانبه.

ذكر الحيلة وإدخال عكا بطسة عمرها

وأودعها أربعمائة غرارة من القمح ووضع فيها الجبن والبصل والغنم وغير ذلك من الميرة

وكان الإفرنج خذلهم الله قد أداروا مراكبهم حول عكا حراسة لها من أن يدخلها مراكب المسلمين وكانت قد اشتدت حاجة من فيها إلى الطعام والميرة فركب في بطسة بيروت جماعة من المسلمين وتزيوا بزي الإفرنج حتى حلقوا لحاهم ووضعوا الخنازير على سطح البطسة بحيث ترى من بعد وعلقوا الصلبان وجاءوا قاصدين البلد من البعد حتى خالطوا مراكب العدو فخرجوا إليهم واعترضوهم في الحراقات والشواني وقالوا لهم نراكم قاصدين البلد واعتقدوا أنهم منهم فقالوا أولم تكونوا قد أخذتم البلد فقالوا لم نأخذ البلد بعد فقالوا نحن نرد القلوع إلى العسكر وقد أتي بطسة أخرى في هوائنا فأنذروهم حتى يدخلوا البلد وكان وراءهم بطسة إفرنجية قد اتفقت معهم في البحر قاصدة العسكر فنظروا فرأوها فقصدوها ينذرونها فاشتدت البطسة الإسلامية في السير واستقامت لها الريح حتى دخلت ميناء البلد وسلبت ولله الحمد. وكان فرحاً عظيماً فإن الحاجة كانت قد أخذت من أهل البلد وكان ذلك في العشر الأواخر من رجب.

ذكر قصة العوام عيسى

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account