The Life of Saladin

صبره واحتسابه رحمة الله عليه
Read with the dictionary

وكان رحمه الله كثيراً ما يطالعه حتى أخذه منه ولده الملك الأفضل عز نصره ولأحكينّ عنه ما سمعته منه وذلك أنه كان قد أخذ كوكب في ذي القعدة سنة أربع وثمانين وخمسمائة وأعطى العسكر دستوراً وأخذ عسكر مصر في العود إلى مصر وكان مقدمها أخاه الملك العادل عز نصره فسار معه ليودعه ويحظى بصلاة العيد في القدس الشريف حرسه الله تعالى وسرنا في خدمته. ولما صلى العيد في القدس وقع له أن يمضي إلى عسقلان ويودعهم بعسقلان ثم يعود على طريق الساحل يتفقد البلاد الساحلية إلى عكا ويرتب أحوالها فأشاروا عليه أن يفعل فإن العساكر إذا فارقتنا نبقى في عدة يسيرة والفرنج كلهم بصور وهذه مخاطرة عظيمة فلم يلتفت رحمه الله وودع أخاه والعسكر بعسقلان ثم سرنا في خدمته إلى الساحل طالبي عكا. وكان الزمان شتاء والبحر هائجاً شديداً وموجه كالجبال كما قال تعالى وكنت حديث عهد برؤية البحر فعظم أمر البحر عندي حتى خيل لي أني لو قال لي إن جزت في البحر ميلاً واحداً ملكتك الدنيا لما كنت أفعل واستسخفت رأي من ركب البحر رجاء دينار أو درهم واستحسنت رأي من لا يقبل شهادة راكب بحر هذا كله خطر لي لعظم الهول الذي شاهدته من حركة البحر فبينا أنا في ذلك إذ التفت إلي رحمه الله. وقال أما أحكي لك شيئاً في نفسي أنه متى يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت وركبت هذا البحر إلى جزائره واتبعتهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت فعظم وقع هذا الكلام عندي حيث ناقض ما كان خطر لي وقلت له ليس في الأرض أشجع نفساً من المولى ولا أقوى منه نية في نصرة دين الله تعالى فقال فكيف فقلت أما الشجاعة فلأن مولانا ما يهوله أمر هذا البحر وهوله. وأما نصرة دين الله فهو أن المولى ما يقنع بقلع أعداء الله من موضع مخصوص في الأرض حتى تطهر جميع الأرض منهم واستأذنت أن أحكي له ما كان خطر لي فحكيت له ثم قلت ما هذه إلا نية جميلة ولكن المولى يسير في البحر العساكر وهو سور الإسلام ومنعته فلا ينبغي له أن يخاطر بنفسه فقال أنا أستفتيك ما أشرف الميتتين فقلت الموت في سبيل الله فقال غاية ما في الباب أن أموت أشرف الميتتين فانظر إلى هذه الطوية ما أطهرها وإلى هذه النفس ما أشجعها وأجرأها رحمة الله عليه. اللهم إنك تعلم أنه بذل جهده في نصرة دينك وجاهد رجاء رحمتك فارحمه.

صبره واحتسابه رحمة الله عليه

قال الله سبحانه وتعالى: " ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم " . ولقد رأيته رحمه الله بمرج عكا وهو على غاية من مرض اعتراه بسبب كثرة دماميل كانت ظهرت عليه من وسطه إلى ركبتيه بحيث لا يستطيع الجلوس وإنما يكون منكباً على جانبه إن كان بالخيمة وامتنع من مد الطعام بين يديه لعجزه عن الجلوس وكان يأمر أن يفرق على الناس وكان مع ذلك قد نزل بخيمة الحرب قريباً من العدو وقد رتب الناس ميمنة وميسرة وقلباً تعبية القتال وكان مع ذلك كله يركب من بكرة النهار إلى صلاة المغرب يطوف على الأطلاب صابراً على شدة الألم وقوة ضربان الدمامل وأنا أتعجب من ذلك فيقول إذا ركبت يزول عني ألمها حتى أنزل وهذه عناية ربانية.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account