وذلك أن جماعة من العسكر الإسلامي كانوا مشرفين على العدو فصادفوا جماعة منهم يشرفون على العسكر الإسلامي وظفروا بهم وهجموا عليهم وجرى بينهم قتال عظيم فقتل من العدو جماعة وأحس بهم عسكر العدو فثار إليهم منهم جماعة واتصل بالحرب وقتل أيضاً من المسلمين نفران وأسر من العدو ثلاثة ومثلوا بخدمة السلطان فسألهم عن الأحوال فأخبروه أن الملك الأنكتار قد حضر عنده بعكا اثنان بدويان وأنهما أخبراه بقلة العسكر الإسلامي وذلك الذي أطمعه حتى خرج وأنه لما كان بالأمس يعني يوم الاثنين رأى من المسلمين قتالاً عظيماً واستكثر الأطلاب وأنه جرح زهاء ألف نفر وقتل جماعة وأن ذلك هو الذي أوجب إقامته اليوم حتى يستريح عسكره وأنا لما رأى ما أصابهم من القتل العظيم وكثرة المسلمين أحضر البدويين عنده وأوقفهما وضرب أعناقهما. وأقمنا في ذلك اليوم في تلك المنزلة لإقامة العدو بها وهو الثلاثاء العاشر من شعبان.
المنزل الثامن: ولما كان ظهر اليوم المذكور رأى السلطان الرحيل والتقدم إلى قدام العدو فدق الكؤوس ورحل الناس ودخل في شعرا أرسوف حتى توسطها إلى تل عند قرية تسمى دير الراهب فنزل هناك ودهم الناس الليل فتقطعوا في الشعر وأصبح مقيماً ينتظر بقية العساكر إلى صباح الأربعاء الحادي عشر وتلاحقت العساكر وركب يرتاد موضعاً يصلح للقتال ولقاء العدو وأقام ذلك اليوم أجمع هناك. ومن أخبار العدو في تلك المنزلة أنه أقام على نهر القصب ذلك اليوم أيضاً وأنه لحقته نجدة من عكا في ثمان بطس كبار واليزك الإسلامي حوله يواصلون الأخبار المستجدة بهم وجرى بين اليزك وبين حشاشة العدو قتال وجرح من الطائفتين.
ذكر مراسلة جرت في ذلك اليوم
وذلك أن العدو طلب من اليزك من يتحدث معه وكان مقدم اليزك علم الدين سليمان فإنها كانت نوبته فلما مضى إليهم من سمع كلامهم كان كلامهم طلب الملك العادل حتى يتحدثوا معه فاستأذن ومضى وبات تلك الليلة في اليزك وتحدثوا معه وكان حاصل حديثهم أنا قد طال بيننا القتال وقد قتل من الجانبين الرجال الأبطال وأنا نحن جئنا في نصرة إفرنج الساحل فاصطلحوا أنتم وهم وكل منا يرجع إلى مكانه وكتب السلطان إلى أخيه في صبيحة يوم الخميس الثاني والعشرين رقعة يقول له فيها: إن قدرت أن تطاول الإفرنج فلعلهم يقيمون اليوم حتى يلحقنا التركمان فإنهم قد قربوا منا.
ذكر اجتماع الملك العادل والأنكتار
ولما علم الأنكتار وصول الملك العادل إلى اليزك طلب الاجتماع به فأجابه إلى ذلك فاجتمعا بفرقة من أصحابهما وكان يترجم بينهما ابن الهنغري وهو من إفرنج الساحل من كبارهم ورأيته يوم الصلح وهو ساب حسن إلا أنه محلوق اللحية على ما هو شعارهم. وكان الحديث بينهما أن الأنكتار شرع في ذكر الصلح وأن الملك العادل قال له أنتم تطلبون الصلح ولا تذكرون مطلوبكم فيه حتى أتوسط أنا الحال مع السلطان. فقال له الأنكتار: القاعدة أن تعود البلاد كلها إلينا وتنصرفوا إلى بلادكم. فأخشن له الجواب وجرت منافرة اقتضت أنهم رحلوا بعد انفصالهم، ولما أحس السلطان برحيلهم أمر الثقل الرحيل ووقف هو وعبى الناس تعبية القتال وسار الثقل الصغير أيضاً حتى قارب الثقل الكبير ثم ورد أمر السلطان بعودهم إليه فعادوا ووصلوا وقد دخل الليل وتخبط الناس تلك الليلة تخبطاً عظيماً واستدعى أخاه ليعرفه ما جرى بينه وبين الملك وخلا به لذلك وذلك في ليلة الجمعة ليلة الثالث عشر، وأما العدو فإنه سار ونزل على موضع يسمى البركة أيضاً يشرف على البحر وأصبح السلطان في يوم الجمعة متطلعاً إلى أخبار العدو فأحضر عنده اثنان من الإفرنج قد تخطفهما اليزك فأمر بضرب أعناقهما ووصل من أخبر أن العدو لم يرحل اليوم من منزلته تلك فنزل السلطان واجتمع بأخيه يتحدثان في هذا الأمر وما يصنع مع العدو وبات تلك الليلة في تلك المنزلة.
ذكر وقعة أرمون وهي أنكت في قلوب المسلمين