Kalila wa Dimna

باب بعثة برزويه إلى بلاد الهند
Read with the dictionary

فلما فرغ من انتساخ الكتاب وغيره مما أراد من سائر الكتب. كتب إلى أنوشروان يعلمه بذلك. فلما وصل إليه الكتاب، سر بذلك سروراً شديداً، ثم تخوف معاجلة المقادير أن تنغص عليه الفرحة؛ فكتب إلى بروزيه يأمره بتعجيل القدوم. فسار بروزيه متوجهاً نحو كسرى. فلما رأى الملك ا قد مسه من الشحوب والتعب والنصب، قال له: أيها العبد الناصح الذي كان يأكل ثمرة ما قد غرس، أبشر وقر عيناً: فإني مشرفك وبالغٌ بك أفضل درجةٍ. وأمره أن يريح بدنه سبعة أيام. فلما كان اليوم الثامن، أمر الملك أن يجتمع إليه الأمراء والعلماء. فلما اجتمعوا، آمر بروزيه بالحضور. فحضر ومعه الكتب؛ ففتحها وقرأها على من حضر من أهل المملكة. فلما سمعوا ما فيها من العلم فرحواً فرحاً شديداً؛ وشكروا لله على ما رزقهم، ومدحوا بروزيه وأثنوا عليه؛ وأمر الملك أن تفتح لبروزيه خزائن اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؛ وأمره أن يأخذ من الخزائن ما شاء من مالٍ أو كسوةٍ؛ وقال: يا بروزيه إني قد أمرت أن تجلس على مثل سريري هذا، وتلبس تاجاً، وتترأس على جميع الأشراف. فسجد بروزيه للملك ودعا له وطلب من الله وقال: أكرم الله تعالى الملك كرامة الدنيا والآخرة، وأحسن عني ثوابه وجزاءه؛ فإني بحمد الله مستغنٍ عن المال بما رزقني الله على بد الملك السعيد الجد، العظم الملك؛ ولا حاجة لي بالمال؛ لكن لما كلفني الملك ذلك وعلمت أنه يسره، أنا أمضي إلى الخزائن فآخذ منها طلباً لمرضاته وامتثالاً لأمره. ثم قصد خزانة الثياب فأخذ منها تختاً من طرائف خراسان من ملابس الملوك. فلما قبض بروزيه ما اختاره ورضيه من الثياب فال: أكرم الله تعالى الملك ومد في عمره أبداً. لابد أن الإنسان إذا أكرم وجب عليه الشكر؛ وإن كان قد استوجبه تعباً ومشقةً فقد كان فيهما رضا الملك. وأما أنا فما لقيته من عناءٍ وتعبٍ ومشقةٍ، لما أعلم أن لكم فيه الشرف يأهل هذا البيت! فإن لم أزل إلى هذا اليوم تابعاً رضاكم، أرى العسير فيه يسيراً. والشاق هيناً، والنصب والأذى سروراً ولذةً: لما أعلم أن لكم فيه رضاً وقربة عندكم. ولكني أسألك أيها الملك حاجة تسعفني بها، وتعطيني فيها سؤلي: فإن حاجتي يسيرةٌ، وفي قضائها فائدةٌ كثيرةٌ. قال أنوشروان: قل فكل حاجةٍ لك من قبلنا مقضيةٌ، ولم نرد طلبتك؛ فكيف ما سوى ذلك؟ فقل وتحتشم؛ فإن الأمور كلها مبذولة لك. قال بروزيه: أيها الملك لا تنظر إلى عنائي في رضاك وانكماشي في طاعتك؛ فإنما أنا عبدك يلزمني بذل مهجتي في رضاك؛ ولو لم تجزني لم يكن ذلك عندي عظيماً ولا واجباً على الملك؛ ولكن لكرمه وشرف منصبه عمد إلى مجازاتي؛ وخصني وأهي بيتي بعلو المرتبة ورفع الدرجة؛ حتى لو قدر أن يجمع لنا بين شرف الدنيا والآخرة لفعل. فجزاه الله عنا أفضل الجزاء.

قال أنوشروان: اذكر حاجتك، فعلى ما يسرك. فقال بروزيه: حاجتي أن يأمر الملك، أعلاه الله تعالى، وزيره بزرجمهر بن البختكان؛ ويقسم عليه أن يعمل فكره، ويجمع رأيه، ويجهد طاقته، ويفرغ قلبه في نظم تأليف كلامٍ متقنٍ محكمٍ؛ ويجعله باباً يذكر فيه أمري ويصف حالي؛ ولا يدع من المبالغة في ذلك أقصى ما يقدر عليه. ويأمره إذا استتمه أن يجعله أول الأبواب التي تقرأ قبل باب الأسد والثور: فإن الملك إذا فعل ذلك فقد بلغ بي وبأهلي غايةً الشرف وأعلى المراتب؛ وأبقى لنا ما لا يزال ذكره باقياً على الأبد حيثما قرئ هذا الكتاب.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account