ثم إن شغبراً يقال له روزبة، كان بينه وبين كليلة إخاء ومودة، وكان عند الأسد وجيهاً، وعليه كريماً، واتفق أن كليلة أخذه الوجد إشفاقاً وحذراً على نفسه وأخيه، فمرض ومات، فانطلق هذا الشغبر إلى دمنة، فأخبره بموت كليلة فبكى وحزن، وقال: ما أصنع بالدنيا بعد مفارقة الأخ الصفى؟؟؟؟؟! ولكن أحمد الله تعالى حيث لم يمت كليلة حتى أبقى لي من ذوي قرابتي أخاً مثلك: فإني قد وثقت بنعمة الله تعالى وإحسانه إليّ فيما رأيت من اهتمامك بي ومراعاتك لي، وقد علمت أنك رجائي وركني فيما أنا فيه، فأريد من إنعامك أن تنطلق إلى مكان كذا، فتنظر إلى ما جمعته أنا وأخي بحيلتنا وسعينا ومشيئة الله تعالى، فتأتيني به، ففعل الشغبر ما أمره به دمنة. فلما وضع المال بين يديه أعطاه شطره، وقال له: إنك على الدخول والخروج على الأسد أقدر من غيرك، فتفرغ لشأني، واصرف اهتمامك إلي، واسمع ما أذكر به عند الأسد، إذا رفع إليه ما يجري بيني وبين الخصوم، وما يبدو من أم الأسد في حقي، وما ترى من متابعة الأسد لها، ومخالفته إياها في أمري، وأحفظ ذلك كله. فأخذ الشغبر ما أعطاه دمنة وانصرف عنه على هذا العهد. فانطلق إلى منزله فوضع المال فيه. ثم إن الأسد بكّر من الغد فجلس، حتى إذا مضى من النهار ساعتان، استأذن عليه أصحابه فأذن لهم، فدخلوا عليه، ووضعوا الكتاب بين يديه. فلما عرف قولهم وقول دمنة دعا أمه فقرأ عليها ذلك. فلما سمعت ما في الكتاب نادت بأعلى صوتها: إن أنا أغلظت في القول فلا تلومني: فإنك لست تعرف ضرك من نفعك. أليس هذا مما كنت أنهاك عن سماعه: لأنه كلام هذا المجرم المسيء إلينا، الغادر بذمتنا؟ ثم إنها خرجت مغضبة، وذلك بعين الشغبر الذي أخاه دمنة وبسمعه. فخرج في أثرها مسرعاً، حتى أتى دمنة، فحدثه بالحديث. فبينما هو عنده إذ جاء رسول انطلق بدمنة إلى الجمع عند القاضي. فلما مثل بين يدي القاضي استفتح سيد المجلس فقال: يا دمنة قد أنبأني بخبرك الأمين الصادق وليس ينبغي لنا أن نفحص عن شأنك أكثر من هذا: لأن العلماء قالوا: إن الله تعالى جعل الدنيا سبباً ومصداقاً للآخرة: لأنها دار الرسل والأنبياء الدالين على الخير الهادين إلى الجنة الداعين إلى معرفة الله تعالى. وقد ثبت شأنك عندنا وأخبرنا عنك من وثقنا بقوله إلا أن سيدنا أمرنا بالعودة في أمرك والفحص عن شأنك وإن كان عندنا ظاهراً بينا. قال دمنة: أراك أيها القاضي لم تتعود العدل في القضاء وليس في عدل الملك دفع المظلومين ومن لا ذنب له إلى قاض غير عادل بل المخاصمة عنهم والذود. فكيف ترى أن أقتل ولم أخاصم؟ وتعجل ذلك موافقة لهواك ولم تمض بعد ذلك ثلاثة أيام. ولكن صدق الذي قال: إن الذي تعود عمل البر هين عليه عمله وإن أضربه. قال القاضي: إن نجد في كتب الأولين: أن القاضي ينبغي له أن يعرف عمل المحسن والمسيء ليجازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فإذا ذهب إلى هذا ازداد المحسنون حرصاً على الإحسان والمسيؤون إجتناباً للذنوب. والرأي لك يا دمنة أن تنظر الذي وقعت فيه وتعترف بذنبك وتقر به وتتوب. فأجابه دمنة: إن صالحي القضاة لا يقطعون بالظن ولا يعملون به لا في الخاصة ولا في العامة: لعلمهم أن الظن لا يغني من الحق شيئا. وأنتم إن ظننتم أني مجرم فيما فعلت فإني أعلم بنفسي منكم وعلمي بنفسي يقين لاشك فيه وعلمكم بي غاية الشك وإنما قبح أمري عندكم أني سعيت بغيري فما عذري عندكم إذا سعيت بنفسي كاذبا عليها فأسلمتها للقتل والعطب على معرفة مني ببراءتي وسلامي مما قرفت به؟ ونفسي لأعظم الأنفس على حرمة وأوجبها حقاً. فلو فعلت هذا بأقصاكم وأدناكم، لما وسعني في ديني، ولا حسن بي في مروءتي، ولا حق لي أن أفعله فكيف أفعله بنفسي؟ فأكفف أيها القاضي عن هذه المقالة: فإنها إن كانت منك نصيحة فقد أخطأت موضعها وإن كانت خديعة فإن أقبح الخداع ما نظرته وعرفت أنه من غير أهله مع أن الخداع والمكر ليسا من أعمال صالحي القضاة ولا تقاة الولاة واعلم أن قولك مما يتخذه الجهال والأشرار سنة يقتدون بها: لأن أمور القضاة يأخذ بصوابها أهل الصواب وبخطئها أهل الخطأ والباطل والقليلو الورع وأنا خائف عليك أيها القاضي من مقالتك هذه أعظم الرزايا والبلايا وليس من البلاء و المصيبة أنك لم تزل في نفس الملك والجند والخاصة والعامة فاضلاً في رأيك مقنعاً في عدلك
Kalila wa Dimna
باب الفحص عن أمر دمنةHover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.