Kalila wa Dimna

باب الناسك والضيف
Read with the dictionary

قال الفيلسوف: زعموا أن لبؤة كانت في غيضة، ولهما شبلان، وأنها خرجت قي طلب الصيد وخلفتهما في كهفهما، فمرّ بهما إسوار فحمل عليهما ورماهما فقتلهما، وسلخ جلديهما فاحتقبهما، وانصرف بهما إلى منزله، ثم إنها رجعت. فلما رأت ما حلّ بهما من الأمر الفظيع اضطربت ظهراً لبطن وصاحت وضجّت. وكان إلى جانبها شغبر. فلما سمع ذلك من صياحها قال لها: ما هذا الذي تصنعين؟ وما نزل بك؟ فأخبريني به. قالت اللبؤة شبلاي مرّ بهما إسوار فقتلهما، وسلخ جلديهما فاحتقبهما، ونبذهما بالعراء. قال لها شغبر: لا تضجِّي وأنصفي من نفسك، واعلمي أن هذا الإسوار لم يأت إليك شيئاً إلا وقد كنت تفعلين بغيرك مثله، وتأتين إلى غير واحد مثل ذلك، ممن كان يجد بحميمه ومن يعز عليه مثل ما تجدين بشبليك. فاصبري على فعل غيرك كما صبر غيرك على فعلك: فإنه قد قيل: كما تدين تدان. ولكل عمل ثمرة من الثواب والعقاب. وهما على قدره في الكثرة والقلة. كالزرع إذا حضر الحصاد أعطى على حسب بذره. قالت اللبؤة: بين لي ما تقول، وأفصح لي عن إشارته. قال الشغبر: كم أتى لك من العمر؟ قالت اللبؤة: مائة سنة. قال الشغبر: ما كان قوتك؟ قالت اللبؤة: لحم الوحش. قال الشغبر: من كان يطعمك إياه؟ قالت اللبؤة: كنت أصيد الوحش وآكله. قال الشغبر: أرأيت الوحش التي كنت تأكلين، أما كان لها آباء وأمهات؟ قالت: بلى. قال الشغبر: فما بالي لا أرى ولا أسمع لتلك الآباء والأمهات من الجزع والضجيج ما أرى وأسمع لك؟ أما أنه لم ينزل بك ما نزل إلا لسوء نظرك في العواقب وقلة تفكيرك فيها، وجهالتك بما يرجع عليك من ضرها. فلما سمعت اللبؤة ذلك من كلام الشغبر عرفت أن ذلك مما جنت على نفسها، وأن عملها كان جوراً وظلماً، فتركت الصيد، وانصرفت عن أكل اللحم إلى الثمار والمسك والعبادة. فلما رأى ذلك ورشان الذي كان صاحب تلك الغيضة وكان عيشه من الثمار. قال لها: قد كنت أظن أن الشجرة عامنا هذا لم تحمل: لقلة الماء، فلما أبصرتك تأكلينها، وأنت آكلة اللحم، فتركت رزقك وطعامك وما قسم الله لك، وتحولت إلى رزق غيرك فانتقصته، ودخلت عليه فيه؛ علمت أن الشجر العام أثمرت كما كانت تثمر قبل اليوم، وإنما أتت قلة الثمر من جهتك. فويل للشجر وويل للثمار وويل لمن عيشه منها! ما أسرع هلاكهم إذا دخل عليهم في أرزاقهم، وغلبهم عليها من ليس له فيها حظ ولم يكن معتاداً لأكلها! فلما سمعت اللبؤة ذلك من كلام الورشان تركت أكل الثمار وأقبلت على أكل الحشيش والعبادة. وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أن الجاهل ربما انصرف بضرٍ يصيبه عن ضرِّ الناس، كاللبؤة التي انصرفت لما لقيت في شبليها عن أكل اللحم ثم عن أكل الثمار بقول الورشان، وأقبلت على النّسك والعبادة. والناس أحق بحسن النظر في ذلك: فإنه قد قيل: ما لا ترضاه لنفسك لا تصنعه لغيرك: فإن في ذلك العدل: وفي العدل رضا الله تعالى ورضا الناس.

باب الناسك والضيف

قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل. فاضرب لي مثل الذي يدع صنعه الذي يليق به ويشاكله، ويطلب غيره فلا يدركه: فيبقى حيران متردداً. قال الفيلسوف: زعموا أنه كان بأرض الكرخ ناسك عابدٌ مجتهدٌ. فنزل به ضيفٌ ذات يومٍ، فدعا الناسك لضيفه بتمر: ليطرفه به. فأكلا منه جميعاً. ثم قال الضيف: ما أحلى هذا التمر وأطيبه! فليس هو في بلادي التي أسكنها، وليته كان فيها! ثم قال: أرى أن تساعدني على أن آخذ منه ما أغرسه في أرضنا: فإني لست عارفاً بثمار أرضكم، هذه ولا بمواضعها. فقال له الناسك: ليس لك في ذلك راحة: فإن ذلك يثقل عليك. ولعل ذلك لا يوافق أرضكم، مع أن بلادكم كثيرة الأثمار فما حاجتها مع كثرة ثمارها إلى التمر مَعَ وخامته وقلة موافقته للجسد؟ ثم قال له الناسك: إنه لا يعد حكيماً من طلب ما لا يجد. وإنك سعيد الجدِّ إذا قنعت بالذي تجد، وزهدت فيها لا تجد. وكان هذا الناسك يتكلم بالعبرانية. فاستحسن الضيف كلامه وأعجبه، فتكلف أن يتعلمه؛ وعالج في ذلك نفسه أياماً. فقال الناسك لضيفه: ما أخلقك أن تقع مما تركت من كلامك، وتكلفت من كلام العبرانية، في مثل ما وقع فيه الغراب! قال الضيف: وكيف كان ذلك؟

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account