فانطلق ابن الملك حتى أتى إلى باب لمدينة فجلس على متكأ في باب المدينة، واتفق أن ملك تلك الناحية مات ولم يخلف ولداً ولا أحداً ذا قرابة. فمرّوا عليه بجنازة الملك ولم يحزنه وكلهم يحزنون. فأنكروا حاله وشتمه البواب، وقال له: من أنت يا هذا؟ وما يجلسك على باب المدينة ولا نراك تحزن لموت الملك؟ وطرده البواب عن الباب فلما ذهبوا عاد الغلام فجلس مكانه. فلما دفنوا الملك ورجعوا بصر به البواب فغضب وقال له: ألم أنهك عن الجلوس في هذا الموضع؟ وأخذه وحبسه. فلما كان الغد اجتمع أهل تلك المدينة يتشاورون فيمن يملكونه عليهم، وكلٌّ منهم يتطاول ينظر صاحبه، ويختلفون بينهم. فقال لهم البواب: إني رأيت أمس غلاماً جالساً على الباب، ولم أره يحزن لحزننا، فكلمته فلم يجبني، فطردته عن الباب. فلما عدت رأيته جالساً فأدخلته السجن مخافة أن يكون عيناً. فبعثت أشراف أهل المدينة إلى الغلام فجاءوا به، وسألوه عن حاله، وما أقدمه إلى مدينتهم. فقال: أنا ابن ملك فويران، وإنه لما مات والدي غلبني أخي على المُلكْ، فهربت من يده حذراً على نفسي حتى انتهيت إلى هذه الغاية. فلما ذكر الغلام ما ذكره من أمره عرفه من كان يغشى أرض أبيه منهم، وأثنوا على أبيه خيراً. ثم إن الأشراف اختاروا الغلام أن يملكوه عليهم ورضوا به. وكان لأهل تلك المدينة سنة إذا ملكوا عليهم ملكاً حملوه على فيل أبيض، وطافوا به حوالي المدينة. فلما فعلوا به ذلك مرّ بباب المدينة فرأى الكتابة على الباب فأمر أن يكتب: إن الاجتهاد والجمال والعقل وما أصاب الرجل في الدنيا من خير أو شر إنما هو بقضاء وقدر من الله عزّ وجل. وقد ازددت في ذلك اعتباراً بما ساق الله إلي من الكرامة والخير. ثم انطلق إلى مجلسه فجلس على سرير ملكه وأرسل إلى أصحابه الذين كان معهم فأحضرهم فأشرك صاحب العقل مع الوزراء، وضمّ صاحب الاجتهاد إلى أصحاب الزرع، وأمر لصاحب الجمال بمالٍ كثير ثم نفاه كي لا يفتتن به. ثم جمع علماء أرضه وذوي الرأي منهم وقال لهم: أما أصحابي فقد تيقنوا أن الذي رزقهم الله سبحانه وتعالى من الخير إنما هو بقضاء الله وقدره، وإنما أحب أن تعلموا ذلك وتستيقنوه، فإن الذي منحني الله وهيأه لي إنما كان بقدر، ولم يكن بجمال ولا عقل ولا اجتهاد. وما كنت أرجو إذ طردني أخي أن يصيبني ما يعيشني من القوت فضلاً عن أن أصيب هذه المنزلة، وما كنت أؤمل أن أكون بها: لأني قد رأيت في هذه الأرض من هو أفضل مني حسناً وجمالاً، وأشد اجتهاداً وأسد رأياً، فساقني القضاء إلى أن أعتززت بقدر من الله، وكان في ذلك الجمع شيخ فنهض حتى استوى قائماً، وقال: إنك قد تكلمت بكلام كامل عقل وحكمة، وإن الذي بلغ بك ذلك وفوز عقلك وحسن ظنّك، وقد حققت ظننا فيك ورجاءنا لك. وقد عرفنا ما ذكرت، وصدقناك فيما وصفت. والذي ساق الله إليك من المُلكِ والكرامة كنت أهلاً له، لما قسم الله تعالى لك من العقل والرأي. وإني أسعد الناس في الدنيا والآخرة من رزقه الله رأياً وعقلاً.
Kalila wa Dimna
باب ابن الملك وأصحابهHover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.