كُنْتُ بِنَيْسابُورَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَحَضَرْتُ المَفْرُوضَةَ، وَلَمَّا قَضَيْتُهَا اجْتَازَ بِي رَجُلٌ قَدْ لَبِسَ دَنِّيَّةً وَتَحَنَّكَ سُنِّيَّةً، فَقُلْتُ لِمُصَلٍّ بِجَنْبي: مَنْ هَذا؟ قَالَ: هَذا سُوسٌ لا يَقَعُ إِلاَّ فِي صُوفِ الأَيْتامِ، وَجَرَادٍ لا يَسْقُطُ إِلاَّ عَلى الزَّرْعِ الحَرَامِ وَلِصٌّ لا يَنْقُبُ إِلاَّ خِزَانَةَ الأَوْقَافِ، وَكُرْدِيٌّ لاَ يُغِيرُ إِلاَّ عَلى الضِّعَافِ، وَذِئْبٌ لا يَفْتَرِسُ عِبَادَ اللهِ إِلاَّ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَمُحَارِبٌ لا يَنْهَبُ مَالَ اللهِ إِلاَّ بَيْن العُهُودِ وَالشُّهُودِ وَقَدْ لَبِسَ دَنِّيَّتَهُ، وَخَلَعَ دِينِيَّتَهُ، وَسَوَّى طَيْلَسَانَهُ، وَحَرَّفَ يَدَهُ وَلِسَانَهُ، وَقَصَّرَ سِبَالَهُ، وَأَطَالَ حِبَالَهُ، وَأَبْدَى شَقَاشِقَهُ، وَغَطَّي مَخَارِقَهُ وَبَيَّضَ لِحْيَتَهُ، وَسَّوَدَ صَحِيفَتَهُ، وَأَظْهَرَ وَرَعَهُ، وَسَتَرَ طَمَعَهُ فَقُلْتُ لَعَنَ اللهُ هَذَا فَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا رَجْلٌ أُعْرَفُ بِالإِسْكَنْدَرِيِّ، فَقُلْتُ: سَقي اللهُ أَرْضَاً أَنْبَتَتْ هَذا الفَضْلَ، وَأَباً خَلًّفَ هذا النَّسْلَ، فَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الكَعْبَةَ، فَقُلْتُ: بَخٍّ بَخٍّ بِأَكْلِهَا وَلَما تُطْبَخْ، وَنَحْنُ إِذاً رِفَاقٌ فَقَالَ: كَيْفَ ذلِكَ وَأَنَا مُصَعِّدٌ وَأَنْتَ مُصَوِّبُ؟! قُلْتُ: فَكَيْفَ تُصَعِّدُ إِلَى الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي أُرِيدُ كَعْبَةَ المُحْتَاجِ، لاَ كَعْبَةَ الحُجَّاجِ، وَمَشْعَرَ الكَرَمِ، لاَ مَشْعَرَ الحَرَمِ، وَبَيْتَ السَّبْيِ، لا بَيْتَ الهَدْيِ، وَقِبْلَةَ الصِّلاتِ، لا قِبْلِةَ الصَّلاةِ، وَمِنَى الضَّيْفِ، لا مِنَى الخَيْفِ، قُلْتُ: وَأَيْنَ هَذِهِ المَكَارِمُ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
بِحَيثُ الدِّينُ وَالمَلِكُ المُؤَيَّدْ ... وَخَدُّ المَكْرُمَاتِ بِهِ مُوَرَّدْ
بِأَرْضٍ تَنْبُتُ الآمَالُ فِيهَا ... لِأَنَّ سَحَابَهَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدُ.
المَقَامَةُ العِلْمِيَّة
حَدَّثَنا عَيسَى بْنُ هِشامٍ قَالَ: كُنْتُ فِي بَعْضِ مَطَارحِ الغُرْبَةِ مُجْتَازَاً، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يَقُولُ لآخَرَ: بِمَ أَدْرَكْتَ العِلْمَ؟ وَهُوَ يُجِيبُهُ، قَالَ: طَلَبْتُهُ فَوَجَدْتُهُ بَعِيدَ المَرَامِ، لا يُصْطَادُ بِالسِّهَامِ، وَلا يُقْسَمُ بالأَزْلامِ، وَلا يُرَى في المَنَامِ، وَلا يُضْبَطُ بِالِّلجَامِ، وَلا يُورَثُ عَنِ الأَعْمَامِ، وَلا يُسْتَعَارُ مِنَ الكِرَامِ، فَتَوَسَّلْتُ إِلَيْهِ بِافْتِرَاشِ المَدَرِ، وَاسْتِنَادِ الحَجَرِ، وَرَدِّ الضَّجَرِ، وَرُكُوبِ الخَطَرِ، وَإِدْمَانِ السَّهَرِ، وِاصْطِحَابِ السَّفَرِ، وَكَثْرةِ النَّظَرِ، وَإِعْمَالِ الفِكَرِ، فَوَجَدْتُهُ شَيْئاً لا يَصْلُحُ إِلاَّ لِلْغَرْسِ، وَلاَ يُغْرَسُ إِلاَّ بِالنَّفْسِ، وَصَيْداً لاَ يَقَعُ إِلاَّ فِي النَّدْرِ، وَلا يَنْشَبُ إِلاَّ فِي الصَّدْرِ، وَطَائِراً لا يَخْدَعُهُ إِلاَّ قَنَصُ الَّلفْظِ، وَلاَ يَعْلَقُهُ إِلاَّ شَرَكُ الحِفُظِ، فَحَمَلْتُهُ عَلى الرُّوحِ، وَحَبَسْتُهُ عَلى العَينِ. وَأَنْفَقْتُ مِنَ العَيْشِ، وَخَزَنْتُ فِي القَلْبِ، وَحَرَّرْتُ بِالدَّرْسِ، وَاسْتَرَحْتُ مِنَ النَّظَرِ إِلى التَّحْقِيقِ، وِمِنَ التَّحْقِيقِ إِلى التَّعْلِيقِ، وِاسْتَعَنْتُ فِي ذَلِكَ بِالتَّوْفِيقِ، فَسَمِعْتُ مِنَ الكَلامِ مَا فَتَقَ السَّمْعَ وَوَصَلَ إِلَى القَلْبِ وَتَغَلْغَلَ فِي الصَّدْرِ، فَقُلْتُ: يَا فَتَى، وَمِنْ أَيْنَ مَطْلَعُ هَذِهِ الشَّمْسِ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ:
إِسْكَنْدَرِيَّةُ دَارِي ... لَوْ قَرَّ فِيهَا قَرَارِي
لكِنَّ بِالشَّامِ لَيْلِي ... وَبالْعِرَاقِ نَهارِي.
المَقَامَةُ الوَصِيَّةَ
حَدَثَّنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: