لَجَوْبُ البِلادِ معَ المَتْرَبَهْ ... أحَبُّ إليّ منَ المرْتَبَهْ
لأنّ الوُلاةَ لهُمْ نَبوَةٌ ... ومعْتَبَةٌ يا لَها مَعْتَبَهْ
ومافيهمِ مَنْ يرُبُّ الصّنيعَ ... ولا مَنْ يُشيِّدُ ما رتّبَهْ
فلا يخدَعنْكَ لَموعُ السّرابِ ... ولا تأتِ أمْراً إذا ما اشْتبَهْ
فكَمْ حالِمٍ سرّهُ حُلْمُهُ ... وأدرَكَهُ الرّوْعُ لمّا انْتبَهْ
المقامة البَرْقَعيديّة
حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: أزْمَعْتُ الشّخوصَ منْ بَرْقَعيدَ. وقد شِمْتُ برْقَ عِيدٍ. فكرِهتُ الرّحلةَ عنْ تلكَ المَدينَةِ. أو أشهَدَ بها يوْمَ الزّينَةِ. فلمّا أظَلّ بفَرْضِهِ ونفْلِهِ. وأجْلَبَ بخَيْلِهِ ورَجْلِهِ. اتّبَعْتُ السُنّةَ في لُبسِ الجَديدِ. وبرَزْتُ معَ مَنْ برَزَللتّعييدِ. وحينَ التَأمَ جمْعُ المُصَلّى وانْتَظَمَ. وأخذَ الزِّحامُ بالكَظَمِ. طلَعَ شيخٌ في شمْلَتَينِ. محْجوبُ المُقلتَيْنِ. وقدِ اعْتَضَدَ شِبْهُ المِخْلاةِ. واسْتَقادَ لعَجوزٍ كالسِّعْلاةِ. فوقَفَ وِقْفَة مُتهافِتٍ. وحيّا تحيّةَ خافِتٍ. ولمّا فرَغَ منْ دُعائِهِ. أجالَ خَمْسَهُ في وِعائِهِ. فأبْرَزَ منْهُ رِقاعاً قدْ كُتِبنَ بألوانِ الأصْباغِ. في أوانِ الفَراغِ. فناوَلَهُنّ عَجوزَهُ الحَيْزَبونَ. وأمرَها بأنْ تتوسّمَ الزَّبونَ. فمَنْ آنسَتْ نَدى يدَيْهِ. ألْقَتْ ورَقَةً منهُنّ لدَيْهِ. فأتاحَ ليَ القدَرُ المعْتوبُ. رُقْعَةً فيها مكْتوبٌ:
لقَدْ أصبَحْتُ موقوذاً ... بأوجاعٍ وأوْجالِ
ومَمْنُواً بمُخْتالٍ ... ومُحْتالٍ ومُغْتالِ
وخَوّانٍ منَ الإخْوا ... نِ قالٍ لي لإقْلالي
وإعْمالٍ منَ العُمّا ... لِ في تضْليعِ أعْمالي
فكمْ أُصْلي بإذحالٍ ... وإمْحالٍ وترْحالِ
وكَمْ أخْطِرُ في بالٍ ... ولا أخْطُرُ في بالِ
فلَيْتَ الدّهْرَ لمّا جا ... رَ أطْفا ليَ أطْفالي
فلَوْلا أنّ أشْبا ... ليَ أغْلالي وأعْلالي
لَما جهّزْتُ آمالي ... الى آلٍ ولا والي
ولا جرّرْتُ أذْيالي ... على مَسْحَبِ إذْلالي
فمِحْرابيَ أحْرَى بي ... وأسْماليَ أسْمَى لي
فهلْ حُرٌ يَرى تخْفي ... فَ أثْقالي بمِثْقالِ
ويُطْفي حَرَّ بَلْبالي ... بسِرْبالٍ وسِرْوالِ
قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلما استَعْرَضْتُ حُلةَ الأبْياتِ تُقْتُ الى معرِفَةِ مُلْحِمِها. وراقِمِ علَمِها. فناجاني الفِكْرُ بأنّ الوُصْلَةَ إلَيْهِ العَجوزُ. وأفْتاني بأنّ حُلوانَ المُعرِّفِ يَجوزُ. فرَصَدْتُها وهيَ تستَقْري الصّفوفَ صَفّاً صَفاً. وتستَوكِفُ الأكُفَّ كفّاً كفاً. وما إنْ ينْجَحُ له عَناءٌ. ولا يرْشَحُ على يدِها إناءٌ. فلما أكْدى استِعْطافُها. وكدّها مَطافُها. عاذَتْ بالاسْتِرْجاعِ. ومالَتْ الى إرجاعِ الرِّقاعِ. وأنْساها الشيْطانُ ذِكْرَ رُقْعَتي. فلمْ تعُجْ الى بُقْعَتي. وآلَتْ الى الشيْخِ باكيةً للحِرْمانِ. شاكِيةً تحامُلَ الزّمانِ. فقالَ: إنّا للهِ. وأفوّضُ أمْري الى اللهِ. ولا حوْلَ ولا قوّةَ إلا باللهِ. ثمّ أنْشَدَ:
لمْ يبْقَ صافٍ ولا مُصافٍ ... ولا مَعينٌ ولا مُعينُ
وفي المَساوي بَدا التّساوي ... فلا أمينٌ ولا ثَمينُ