The Maqamat of al-Hariri

المقامة الإسكندرية
Read with the dictionary

لا عِرْضُ أبْنائِهِ يُصانُ ولا ... يُرْقَبُ فيهِمْ إلٌّ ولا نسَبُ

كأنّهُمْ في عِراصِهِمْ جِيَفٌ ... يُبْعَدُ منْ نتْنِها ويُجْتَنَبُ

فحارَ لُبّي لِما مُنيتُ بهِ ... منَ اللّيالي وصرْفُها عجَبُ

وضاقَ ذرْعي لضيقِ ذاتِ يَدي ... وساوَرَتْني الهُمومُ والكُرَبُ

وقادَني دهْري المُليمُ الى ... سُلوكِ ما يستَشينُهُ الحسَبُ

فبِعْتُ حتى لم يبْقَ لي سبَدٌ ... ولا بَتاتٌ إليْهِ أنْقَلِبُ

وادّنْتُ حتى أثقَلتُ سالِفَتي ... بحَملِ دَينٍ من دونِه العطَبُ

ثمّ طوَيتُ الحَشا على سغَبٍ ... خمْساً فلما أمَضّني السّغَبُ

لمْ أرَ إلا جِهازَها عرَضاً ... أجولُ في بيعِه وأضْطَرِبُ

فجُلتُ فيهِ والنّفْسُ كارهَةٌ ... والعينُ عَبرَى والقلبُ مُكتَئِبُ

وما تجاوزْتُ إذ عبثْتُ بهِ ... حَدَّ التَراضي فيحدُثَ الغضَبُ

فإنْ يكُنْ غاظَها توهُّمُها ... أنّ بَناني بالنّظْمِ تكتسِبُ

أو أنّني إذ عزَمتُ خِطبَتَها ... زخْرَفتُ قوْلي لينجَحَ الأرَبُ

فوالّذي سارَتِ الرّفاقُ الى ... كعْبَتِهِ تستَحثُّها النُّجُبُ

ما المكْرُ بالمُحصَناتِ من خُلُقي ... ولا شِعاري التّمويهُ والكذِبُ

ولا يَدي مُذْ نشأتُ نيطَ بها ... إلا مَواضي اليَراعِ والكُتُبِ

بل فِكْرَتي تنظِمُ القَلائِدَ لا كفْ ... في وشعري المنظوم لا السُّخُبُ

فهَذِهِ الحِرفَةُ المُشارُ الى ... ما كُنتُ أحوي بها وأجتَلِبُ

فأذَنْ لشَرْحي كما أذِنتَ لها ... ولا تُراقِبْ واحكُمْ بما يجِبُ

قال: فلمّا أحكَم ما شادَهُ. وأكملَ إنشادَهُ. عطَفَ القاضي الى الفَتاةِ. بعْدَ أن شُعِفَ بالأبياتِ. وقال: أمَا إنّهُ قدْ ثبَتَ عندَ جميع الحُكّامِ. ووُلاةِ الأحْكامِ. انقِراضُ جيلِ الكِرامِ. وميْلُ الأيامِ الى اللّئامِ. وإني لإخالُ بعْلَكِ صَدوقاً في الكلامِ. برِيّاً من المَلامِ. وها هو قدِ اعتَرَفَ لكِ بالقَرْضِ. وصرّحَ عنِ المَحْضِ. وبيّنَ مِصْداقَ النّظْمِ. وتبيّنَ أنّه مَعروقُ العظْمِ. وإعْناتُ المُعْذِرِ مَلأمَةٌ. وحبْسُ المُعسِرِ مألَمةٌ. وكِتْمانُ الفَقْرِ زَهادَةٌ. وانتِظارُ الفَرَجِ بالصّبرِ عِبادَةٌ. فارْجِعي الى خِدرِك. واعذُري أبا عُذْرِكِ. ونَهْنِهي عن غَرْبِكِ. وسلّمي لقَضاءِ ربّكِ. ثمّ إنّهُ فرضَ لهُما في الصّدقاتِ حِصّةً. وناوَلَهُما منْ دَراهِمِهما قَبصَةً. وقال لهُما: تعلّلا بهذه العُلالَةِ. وتندّيا بهذِهِ البُلالَةِ. واصْبِرا على كيْدِ الزّمانِ وكدّهِ. فعَسى اللهُ أنْ يأتيَ بالفَتْحِ أو أمْرٍ من عِندِه. فنَهَضا وللشّيخِ فرْحَةُ المُطْلَقِ من الإسارِ. وهِزّةُ الموسِرِ بعْدَ الإعْسارِ. قال الرّاوي: وكنتُ عرفْتُ أنهُ أبو زيدٍ ساعةَ بزغَتْ شمسُهُ. ونزغَتْ عِرسُهُ. وكدْتُ أُفصِحُ عن افتِنانِه. وأثْمارِ أفْنانِهِ. ثمّ أشفَقْتُ من عُثورِ القاضي على بُهتانِه. وتزْويقِ لِسانِه. فلا يرَى عندَ عِرْفانِه. أن يُرشِّحَهُ لإحسانِه. فأحْجَمْتُ عنِ القوْلِ إحْجامَ المرْتابِ. وطوَيتُ ذكْرَهُ كطَيّ السّجِلّ للكِتابِ. إلا أني قُلتُ بعدَما فصَلَ. ووصلَ الى ما وصَلَ: لوْ أنّ لَنا مَنْ ينطَلِقُ في أثَرِه. لأتانا بفَصّ خبَرِهِ. وبِما يُنْشَرُ من حِبَرِهِ. فأتبَعَه القاضي أحدَ أُمنائِهِ. وأمرَهُ بالتّجسّسِ عنْ أنبائِهِ. فما لبِثَ أنْ رجَعَ مُتَدَهْدِهاً. وقهْقَرَ مُقهْقِهاً. فقال له القاضي: مَهْيَمْ. يا أبا مرْيَمَ؟ فقال: لقدْ عايَنْتُ عجَباً. وسمعْتُ ما أنْشأ لي طرَباً. فقال لهُ: ماذا رأيتَ. وما الذي وعَيْتَ؟ قال: لمْ يزَلِ الشيخُ مذْ خرَجَ يُصفّقُ بيَدَيْهِ. ويخالِفُ بينَ رِجلَيْهِ. ويغرّدُ بمِلء شِدْقَيْهِ. ويقول:

كِدْتُ أصْلَى ببَلِيّهْ ... منْ وَقاحٍ شَمّرِيّهْ

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account