لزِمتُ السِّفارَ وجُبتُ القِفارَ ... وعِفْتُ النِّفارَ لأجْني الفرَحْ
وخُضتُ السّيولَ ورُضتُ الخيولَ ... لجَرّ ذُيولِ الصّبى والمَرَحْ
ومِطتُ الوَقارَ وبعْتُ العَقارَ ... لحَسْوِ العُقارِ ورشْفِ القدَحْ
ولولا الطِّماحُ الى شُربِ راحٍ ... لما كانَ باحَ فَمي بالمُلَحْ
ولا كان ساقَ دَهائي الرّفاقَ ... لأرضِ العِراقِ بحمْلِ السُّبَحْ
فلا تغضَبَنّ ولا تصخَبَنّ ... ولا تعتُبَنّ فعُذْري وضَحْ
ولا تعجَبَنّ لشيْخٍ أبَنّ ... بمغْنًى أغَنّ ودَنٍّ طفَحْ
فإنّ المُدامَ تُقوّي العِظامَ ... وتَشْفي السَّقامَ وتنْفي التّرَحْ
وأصْفى السّرورِ إذا ما الوَقورُ ... أماطَ سُتورَ الحَيا واطّرَحْ
وأحْلى الغَرام إذا المُستهامَ ... أزالَ اكتِتامَ الهَوى وافتضَحْ
فبُحْ بهَواكَ وبرّدْ حَشاكَ ... فزَنْدُ أساكَ بهِ قدْ قدَحْ
وداوِ الكُلومَ وسلِّ الهُمومَ ... ببِنْتِ الكُروم التي تُقترَحْ
وخُصّ الغَبوقَ بساقٍ يسوقُ ... بَلاءَ المَشوقِ إذا ما طمَحْ
وشادٍ يُشيدُ بصوتٍ تَميدُ ... جِبالُ الحديدِ لهُ إنْ صدَحْ
وعاصِ النّصيحَ الذي لا يُبيحُ ... وِصالَ المليحِ إذا ما سمَحْ
وجُلْ في المِحالِ ولوْ بالمُحالِ ... ودعْ ما يُقالُ وخُذْ ما صلَحْ
وفارِقْ أباكَ إذا ما أباكَ ... ومُدَّ الشّباكَ وصِدْ مَنْ سنَحْ
وصافِ الخَليلَ ونافِ البَخيلَ ... وأوْلِ الجَميلَ ووالِ المِنَحْ
ولُذْ بالمَتابِ أمام الذّهابِ ... فمَنْ دقّ بابَ كريمٍ فتَحْ
فقلتُ لهُ: بَخٍ بخٍ لرِوايتِكَ. وأُفٍّ وتُفٍّ لغَوايَتِكَ! فباللهِ منْ أيّ الأعياصِ عِيصُكَ. فقدْ أعضَلَني عَويصُكَ؟ فقال: ما أحبُّ أنْ أُفصحَ عنّي. ولكِنْ سأُكَنّي:
أنا أُطروفَةُ الزّما ... نِ وأعجوبَةُ الأُمَمْ
وأنا الحُوَّلُ الذي احْ ... تالَ في العُرْبِ والعجَمْ
غيرَ أنّي ابنُ حاجَةٍ ... هاضَهُ الدّهرُ فاهتضَمْ
وأبو صِبيَةٍ بدَوْا ... مثلَ لحْمٍ على وضَمْ
وأخو العَيلَةِ المُعي ... لُ إذا احْتالَ لمْ يُلَمْ
قال الرّاوي: فعرفتُ حينَئِذٍ أنّه أبو زيدٍ ذو الرّيبِ والعيْبِ. ومُسوِّدُ وجْهِ الشّيْبِ. وساءني عِظَمُ تمرّدِهِ. وقُبْحُ تورّدِهِ. فقلتُ لهُ بلِسانِ الأنَفَةِ. وإدْلالِ المعرِفَةِ: ألمْ يأنِ لكَ يا شيخَنا. أنْ تُقلِعَ عنِ الخَنا؟ فتضَجّرَ وزمْجَرَ. وتنكّرَ وفكّرَ. ثمّ قال: إنّها ليلَةُ مِراحٍ لا تَلاحٍ. ونُهْزَةُ شُرْبِ راحٍ لا كِفاحٍ. فعَدِّ عمّا بَدا. الى أنْ نتَلاقَى غَدا. ففارَقْتُه فرَقاً منْ عربَدَتِه. لا تعلُّقاً بعِدّتِه. وبِتُّ ليلَتي لابِساً حِدادَ النّدَمِ. على نقْلي خُطَى القدَمِ. الى ابنَةِ الكرْمِ لا الكرَمِ. وعاهدْتُ اللهَ سُبحانَهُ وتعالى أن لا أحضُر بعدَها حانَةَ نَبّاذٍ. ولو أُعطيتُ مُلكَ بغداذٍ. وأنْ لا أشهدَ معصَرَةَ الشّرابِ. ولو رُدّ عليّ عصْرُ الشّبابِ. ثمّ إنّنا رحّلْنا العِيسَ. وقتَ التّغليسِ. وخلّيْنا بينَ الشيّخَينِ أبي زيدٍ وإبليسَ.
المقامة البغدادية