وطالَما أبدَعَ في ما صنَعا ... وفاقَ في النّثْرِ وفي النّظْمِ مَعا
واللهِ لوْلا ضنْكُ عيشٍ صدَعا ... وصِبيَةٌ أضْحَوْا عُراةً جُوَّعا
ما بِعْتُهُ بمُلْكِ كِسرَى أجْمَعا
قال: فلمّا تأمّلْتُ خَلقَهُ القَويمَ. وحُسنَهُ الصّميمَ. خِلتُهُ منْ وِلْدانِ جَنّةِ النّعيمِ. وقلتُ: ما هذا بشَراً إنْ هذا إلا ملَكٌ كَريمٌ! ثمّ استَنْطَقْتُهُ عنِ اسْمِهِ. لا لرَغْبَةٍ في عِلمِه. بل لأنظُرَ أينَ فصاحَتُهُ من صَباحَتِهِ. وكيفَ لهْجَتُهُ منْ بهجَتِهِ. فلمْ ينطِقْ بحُلوَةٍ ولا مُرّةٍ. ولا فاهَ فَوْهَةَ ابنِ أمَةٍ ولا حُرّةٍ. فضرَبْتُ عنهُ صَفْحاً. وقلْتُ له: قُبْحاً لعِيّكَ وشُقْحاً! فَغارَ في الضّحِكِ وأنْجَدَ. ثمّ أنْغَضَ رأسهُ إليّ وأنشدَ:
يا مَنْ تلَهّبَ غيظُهُ إذْ لمْ أبُحْ ... باسْمي لهُ ما هَكذا مَنْ يُنصِفُ
إنْ كان لا يُرضيكَ إلا كشْفُهُ ... فأصِخْ لهُ أنا يُوسُفٌ أنا يوسُفُ
ولقد كشَفْتُ لكَ الغِطاء فإن تكنْ ... فطِناً عرَفتَ وما إخالُك تَعرِفُ
قال: فسَرّى عَتْبي بشِعْرِهِ. واسْتَبى لُبّي بسِحْرِهِ. حتى شُدِهْتُ عنِ التّحقيقِ. وأُنسيتُ قِصّةَ يوسُفَ الصّدّيقِ. ولمْ يكُنْ لي همٌّ إلا مُساوَمةُ موْلاهُ فيهِ. واستِطْلاعُ طِلعِ الثّمَنِ لأوفيهِ. وكنتُ أحسَبُ أنهُ سينظُرُ شَزْراً إليّ. ويُغْلي السّيمَةَ عليّ. بلْ قال: إنّ الغُلامَ إذا نَزُرَ ثمَنُهُ. وخفّتْ مؤنُهُ. تبرّكَ بهِ موْلاهُ. والتَحَفَ عليْهِ هواهُ. وإني لأوثِرُ تحْبيبَ هذا الغُلامِ إليْكَ. بأنْ أخَفِّفَ ثمنَهُ عليْكَ. فزِنْ مائَتَيْ دِرْهَمٍ إن شِيتَ. واشْكرْ لي ما حَييتَ! فنقَدْتُهُ المبلغَ في الحالِ. كما يُنقَدُ في الرّخيصِ الحَلالُ. ولمْ يخطُرْ لي ببالٍ. أنّ كُلّ مُرخَصٍ غالٍ. فلمّا تحقّقَتِ الصّفْقَةُ. وحَقّتِ الفُرقَةُ. همَلَتْ عيْنا الغُلامِ. ولا هُمولَ دمْعِ الغَمامِ. ثمّ أقبلَ على صاحِبِه وقال:
لَحاكَ اللهُ هلْ مِثلي يُباعُ ... لكَيْما تشبَعَ الكَرِشُ الجِياعُ
وهلْ في شِرْعَةِ الإنْصافِ أني ... أكلَّفُ خُطّةً لا تُستَطاعُ
وأنْ أُبْلى برَوْعٍ بعدَ روعٍ ... ومثلي حينَ يُبْلى لا يُراعُ
أمَا جرّبْتَني فخَبَرْتَ مني ... نصائِحَ لمْ يُمازِجْها خِداعُ
وكمْ أرْصَدْتَني شرَكاً لصَيْدٍ ... فعُدْتُ وفي حَبائِليَ السّباعُ
ونُطْتَ بيَ المصاعِبَ فاسْتَقادَتْ ... مُطاوِعَةً وكانَ بها امتِناعُ
وأيُّ كريهَةٍ لم أُبْلِ فيها ... وغُنْمٍ لمْ يكُنْ لي فيهِ باعُ
وما أبدَتْ لي الأيامُ جُرْماً ... فيُكشَفَ في مُصارَمَتي القِناعُ
ولم تعثُرُ بحمدِ اللهِ مني ... على عيْبٍ يكتَّمُ أو يُذاعُ
فأنّى ساغَ عندَك نبْذُ عهدي ... كما نَبَذَتْ بُرايَتَها الصَّناعُ
ولِمْ سمَحَتْ قَرونُكَ بامْتِهاني ... وأنْ أُشْرى كما يُشْرى المتاعُ
وهلاّ صُنتَ عِرضي عنهُ صوْني ... حَديثَكَ جَدّ بِنا الوداعُ
وقلتَ لمنْ يُساوِمُ فيّ هذا ... سَكابِ فما يُعارُ ولا يُباعُ
فما أنا دونَ ذاكَ الطِّرْفِ لكِنْ ... طِباعُكَ فوقَها تلْكَ الطّباعُ
على أني سأُنشِدُ عندَ بيْعي ... أضاعوني وأيَّ فتًى أضاعوا