وتَراءى لكَ الشّقاءُ الذي تلْ ... قَى فتَبْكي لهُ بدَمْعٍ هَتونِ
فاستَدِمْ عيشَكَ الرّغيدَ وحاذِرْ ... أن تَبيعَ المَحقوقَ بالمظْنونِ
واحتَرِسْ من مُخادِعٍ لك يرْقي ... كَ ليُلقيكَ في العذابِ المُهينِ
ولَعَمْري لقدْ نصَحْتُ ولكِنْ ... كمْ نَصيحٍ مُشبَّهٍ بظَنينِ
ثمّ إنهُ طمَسَ المكتوبَ على غَفلَةٍ. وتفَلَ عليْهِ مئَةَ تَفلَةٍ. وشدّ الزّبَدَ في خِرقَةِ حريرٍ. بعدَما ضمّخَها بعَبيرٍ. وأمرَ بتعْليقِها على فخْذِ الماخِضِ. وأنْ لا تعْلَقَ بها يدُ حائِضٍ. فلمْ يكُنْ إلا كذُواقِ شارِبٍ. أو فُواقِ حالِبٍ. حتى اندَلَقَ شخْصُ الولَدِ. لخصّيصَى الزَّبَدِ. بقُدرَةِ الواحِدِ الصّمَدِ. فامتلأ القصْرُ حُبوراً. واستُطيرَ عَميدُهُ وعَبيدُهُ سُروراً. وأحاطَتِ الجماعَةُ بأبي زيدٍ تُثْني عليْهِ. وتُقبّلُ يدَيْهِ. وتتبرّكُ بمِساسِ طِمْرَيْهِ. حتى خُيّلَ إليّ أنّهُ القَرَنيُّ أُوَيْسٌ. أوِ الأسَديُّ دُبَيسٌ. ثمّ انْثالَ عليْهِ منْ جَوائِزِ المُجازاةِ. ووصائِلِ الصّلاتِ. ما قيّضَ لهُ الغِنى. وبيّضَ وجْهَ المُنى. ولمْ يزَلْ ينْتابُهُ الدّخْلُ. مُذْ نُتِجَ السّخْلُ. الى أن أُعطِيَ البحْرُ الأمانَ. وتسنّى الإتْمامُ الى عُمانَ. فاكْتَفى أبو زيدٍ بالنِّحْلَةِ. وتأهّبَ للرّحلَةِ. فلمْ يسمَحِ الوالي بحرَكَتِهِ. بعْدَ تجرِبَةِ برَكَتِهِ. بلْ أوعَزَ بضَمّهِ الى حُزانَتِهِ. وأنْ تُطلَقَ يدُهُ في خِزانَتِهِ. قالَ الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمّا رأيتُهُ قدْ مالَ. الى حيثُ يكتَسِبُ المالَ. أنْحَيْتُ علَيْهِ بالتّعْنيفِ. وهجّنْتُ لهُ مُفارَقَةَ المألَفِ والأليفِ. فقالَ إليْكَ عني. واسْمَعْ منّي:
لا تَصْبوَنّ الى وطَنْ ... فيهِ تُضامُ وتُمتَهَنْ
وارْحَلْ عنِ الدّارِ التي ... تُعْلي الوِهادَ على القُنَنْ
واهْرُبْ الى كِنٍّ يَقي ... ولوَ انّهُ حِضْنا حضَنْ
وارْبأ بنَفسِكَ أنْ تُقي ... م بَحيثُ يغْشاكَ الدَّرَنْ
وجُبِ البِلادَ فأيُّها ... أرْضاكَ فاخْتَرْهُ وطَنْ
ودَعِ التّذكُّرَ للمَعا ... هِدِ والحَنينَ الى السّكَنْ
واعْلَمْ بأنّ الحُرّ في ... أوطانِهِ يَلْقَى الغبَنْ
كالدُرّ في الأصْدافِ يُستزْ ... رى ويُبْخَسُ في الثّمَنْ
ثمّ قال: حسبُكَ ما استَمَعْتَ. وحبّذا أنتَ لوِ اتّبَعْتَ! فأوْضَحْتُ لهُ مَعاذيري. وقلتُ لهُ: كُنْ عَذيري. فعذَرَ واعتَذَرَ. وزوّدَ حتى لم يذَرْ. ثمّ شيّعَني تشْييعَ الأقارِبِ. الى أنْ ركِبْتُ في القارِبِ. فودّعْتُهُ وأنا أشْكو الفِراقَ وأذُمّهُ. وأوَدُّ لوْ كانَ هلَكَ الجَنينُ وأمُّهُ.
المقامة التبريزيّة