قال: فلمّا رشَقَ. بالخَمْسِ التي نسَقَ. قال: يا قوْمِ تدَبّروا هذهِ الخمْسَ. واعْقِدوا عليْها الخَمْسَ. ثمّ رأيَكُمْ وضَمّ الذّيلِ. أوِ الازدِيادَ منْ هَذا الكَيْلِ! قال: فاستَفزّتِ القوْمَ شهوَةُ الزّيادَةِ. على ما أُشرِبوا منَ البَلادَةِ. فقالوا لهُ: إنّ وُقوفَنا دونَ حدّكَ. ليُفْحِمُنا عنِ استِيراء زنْدِكَ. واستِشْفافِ فِرِنْدِكَ. فإنْ أتْمَمتَ عشْراً فمِنْ عِندِكَ. فاهتزّ اهتِزازَ منْ فلَجَ سهمُهُ. وانخَزَلَ خصْمُهُ. ثمّ افتَتَح النُطْقَ بالبَسمَلَةِ. وأنشدَ مُلغِزاً في المُزَمَّلَةِ:
ومَسْرورَةٍ مَغمومَةٍ طولَ دهرِها ... وما هيَ تدري ما السُرورُ ولا الغَمُّ
تُقرَّبُ أحياناً لأجْلِ جَنينِها ... وكمْ ولدٍ لوْلاهُ طُلّقَتِ الأمُّ
وتُبعَدُ أحياناً وما حالَ عهدُها ... وإبعادُ من لم يَستَحِلْ عهدُه ظُلمُ
إذا قَصُرَ الليلُ استُلِذّ وصالُها ... وإن طالَ فالإعراضُ عن وصْلِها غُنمُ
لها ملبَسٌ بادٍ أنيقٌ مبَطَّنٌ ... بما يُزْدَرى لكنْ لِما يُزْدرى الحُكمُ
ثم كشَرَ عن أنيابِهِ الصُفْرِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في الظُفْرِ:
ومرهوبِ الشَّبا نامٍ ... وما يرْعى ولا يشرَبْ
يُرى في العَشْرِ دونَ النّحْ ... رِ فاسمَعْ وصفَهُ واعْجَبْ
ثم تخازرَ تخازُرَ العِفْريتِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في طاقَةِ الكِبريتِ:
وما مَحْقورَةٌ تُدْنى وتُقْصى ... وما منْها إذا فكّرْتَ بُدُّ
لها رأسانِ مُشتَبِهانِ جِداً ... وكُلٌ منهُما لأخيهِ ضِدُّ
تعذَّبُ إن هُما خُضِبا وتُلغى ... إذا عَدِما الخِضابَ ولا تُعَدّ
ثمّ تخمّطَ تخمُّطَ القَرْمِ. وأنشدَ في حلَبِ الكَرْمِ:
وما شيءٌ إذا فسَدا ... تحوّلَ غيُّهُ رشَدا
وإنْ هوَ راقَ أوصافاً ... أثارَ الشرّ حيثُ بَدا
زَكيُّ العِرقِ والِدُهُ ... ولكِنْ بِئْسَ ما ولَدا
ثمّ اعتَضَدَ عَصا التَّسيارِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في الطيّارِ:
وذي طَيشَةٍ شِقُّهُ مائِلٌ ... وما عابَهُ بهِما عاقِلُ
يُرى أبداً فوقَ عِلّيّةٍ ... كما يعْتَلي المَلِكُ العادِلُ
تساوَى لدَيْهِ الحَصا والنُّضارُ ... وما يستَوي الحقُّ والباطلُ
وأعْجَبُ أوصافِهِ إنْ نظرْتَ ... كما ينظُرُ الكَيّسُ الفاضِلُ
تَراضي الخُصومِ بهِ حاكِماً ... وقدْ عرَفوا أنّهُ مائِلُ
قال: فظلّتِ الأفكارُ تَهيمُ في أوديةِ الأوْهامِ. وتَجولُ جوَلانَ المُستَهامِ. الى أن طالَ الأمَدُ. وحصْحَصَ الكمَدُ. فلمّا رآهُمْ يزنِدونَ ولا سَنا. ويقْضونَ النّهارَ بالمُنى. قال: يا قومِ إلامَ تنظُرونَ. وحتّامَ تُنظَرونَ؟ ألَمْ يأنِ لكُمُ استِخْراجُ الخَبيّ. أو استِسلامُ الغَبيّ؟ فقالوا: تاللهِ لقدْ أعْوَصْتَ. ونصَبْتَ الشَّرَكَ فقنَصْتَ. فتحَكّمْ كيفَ شيتَ. وحُزِ الغُنْمَ والصّيتَ. ففرَضَ عنْ كلّ مُعَمًى فرْضاً. واستخلَصَهُ منهُمْ نَضّاً. ثمّ فتَح الأقفالَ. ورسمَ الأغْفالَ. وحاولَ الإجْفالَ. فاعتلَقَ بهِ مِدرَهُ القومِ. وقال لهُ: لا لُبسَةَ بعْدَ اليومِ. فاستَنْسِبْ قبلَ الانطِلاقِ. وهَبْها مُتعَةَ الطّلاقِ. فأطْرَقَ حتى قُلْنا مُريبٌ. ثمّ أنشَدَ والدمعُ مُجيبٌ:
سَروجُ مطْلِعُ شمْسي ... وربْعُ لَهْوي وأُنسي
لكِنْ حُرِمْتُ نَعيمي ... بها ولَذةَ نفْسي
واعْتَضْتُ عنها اغْتِراباً ... أمَرَّ يومي وأمْسي
ما لي مقَرٌّ بأرضٍ ... ولا قَرارٌ لعَنْسيْ
يوماً بنَجدٍ ويوْماً ... بالشّأمِ أُضْحي وأُمسي
أُزْجي الزّمانَ بقوتٍ ... منغّصٍ مُستَخَسّ
ولا أبيتُ وعندي ... فلْسٌ ومَنْ لي بفَلْسِ
ومنْ يعِشْ مثلَ عيشي ... باعَ الحياةَ ببخْسِ