جَاءَ مُنِيرٌ مِنْ قَرْيَتِهِ إِلَى الْعَاصِمَةِ تُونِسَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
كَانَ مَعَهُ عُنْوَانُ بَيْتِ خَالِهِ عَلَى وَرَقَةٍ صَغِيرَةٍ.
نَزَلَ مِنَ الْقِطَارِ، وَبَدَأَ يَمْشِي فِي الشَّوَارِعِ.
كَانَتِ الْمَدِينَةُ مُزْدَحِمَةً جِدًّا: سَيَّارَاتٌ وَحَافِلَاتٌ وَنَاسٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
بَعْدَ سَاعَةٍ، فَهِمَ مُنِيرٌ أَنَّهُ ضَاعَ.
حَاوَلَ الِاتِّصَالَ بِخَالِهِ، لٰكِنَّ بَطَّارِيَّةَ هَاتِفِهِ كَانَتْ فَارِغَةً.
وَقَفَ فِي زَاوِيَةِ الشَّارِعِ.
كَانَ مُتْعَبًا وَحَزِينًا.
فَجْأَةً سَمِعَ صَوْتًا: «هَلْ تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ يَا ابْنِي؟»
كَانَ رَجُلًا عَجُوزًا يَبِيعُ الْيَاسَمِينَ.
أَعْطَاهُ مُنِيرٌ الْوَرَقَةَ، فَقَرَأَ الرَّجُلُ الْعُنْوَانَ وَابْتَسَمَ.
قَالَ: «هٰذَا الشَّارِعُ قَرِيبٌ. تَعَالَ مَعِي.»
مَشَيَا مَعًا عَشْرَ دَقَائِقَ، وَتَكَلَّمَا عَنِ الْقَرْيَةِ وَالْمَدِينَةِ.
أَمَامَ بَيْتِ الْخَالِ، أَخْرَجَ مُنِيرٌ نُقُودًا مِنْ جَيْبِهِ، لٰكِنَّ الرَّجُلَ رَفَضَ.
وَضَعَ زَهْرَةَ يَاسَمِينٍ خَلْفَ أُذُنِ مُنِيرٍ، وَقَالَ: «أَهْلًا وَسَهْلًا بِكَ فِي تُونِسَ!»
مُنِيرٌ لَا يَنْسَى ذٰلِكَ الرَّجُلَ، وَلَا رَائِحَةَ الْيَاسَمِينِ.