مَا زِلْتُ أَذْكُرُ أَوَّلَ يَوْمٍ دَخَلَتْ فِيهِ الْأُسْتَاذَةُ سُعَادُ صَفَّنَا، وَكُنْتُ يَوْمَهَا فِي الصَّفِّ الْخَامِسِ.
كَانَتْ قَصِيرَةً، تَلْبَسُ نَظَّارَةً كَبِيرَةً، وَتَحْمِلُ دَائِمًا حَقِيبَةً ثَقِيلَةً لَا نَعْرِفُ مَا فِيهَا.
كَانَتْ تُعَلِّمُنَا الْعُلُومَ، وَلَمْ تَكُنْ دُرُوسُهَا تُشْبِهُ أَيَّ دُرُوسٍ عَرَفْنَاهَا قَبْلَ ذٰلِكَ.
فَفِي الْحِصَّةِ الْأُولَى فَتَحَتِ الْحَقِيبَةَ، وَأَخْرَجَتْ مِنْهَا حَجَرًا، وَعَدَسَةً مُكَبِّرَةً، وَوَرَقَةَ شَجَرَةٍ.
ثُمَّ قَالَتْ: «الْعِلْمُ يَبْدَأُ بِسُؤَالٍ، فَمَنْ عِنْدَهُ سُؤَالٌ عَنْ هٰذِهِ الْأَشْيَاءِ؟»
سَكَتْنَا جَمِيعًا، لِأَنَّنَا تَعَوَّدْنَا أَنْ نَحْفَظَ الْأَجْوِبَةَ، لَا أَنْ نَسْأَلَ.
وَبَعْدَ دَقَائِقَ رَفَعْتُ يَدِي بِخَوْفٍ، وَسَأَلْتُ: «لِمَاذَا لَوْنُ الْوَرَقَةِ أَخْضَرُ؟»
فَابْتَسَمَتْ وَقَالَتْ: «هٰذَا سُؤَالٌ مُمْتَازٌ»، ثُمَّ كَتَبَتْهُ عَلَى السَّبُّورَةِ بِخَطٍّ كَبِيرٍ.
لَمْ تُعْطِنَا الْجَوَابَ فِي ذٰلِكَ الْيَوْمِ، بَلْ طَلَبَتْ مِنَّا أَنْ نَبْحَثَ عَنْهُ فِي مَكْتَبَةِ الْمَدْرَسَةِ.
وَفِي الْأَسَابِيعِ التَّالِيَةِ خَرَجْنَا مَعَهَا إِلَى السَّاحَةِ لِنُرَاقِبَ النَّمْلَ، وَزَرَعْنَا الْفَاصُولِيَاءَ فِي عُلَبٍ صَغِيرَةٍ، وَرَسَمْنَا الْقَمَرَ كُلَّ لَيْلَةٍ شَهْرًا كَامِلًا.
وَكَانَ بَعْضُ الْمُعَلِّمِينَ يَقُولُونَ إِنَّهَا تُضَيِّعُ الْوَقْتَ، لٰكِنَّ نَتَائِجَنَا فِي آخِرِ السَّنَةِ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ نَتَائِجِ أَيِّ سَنَةٍ مَضَتْ.
وَأَهَمُّ مِنْ ذٰلِكَ أَنَّهَا عَلَّمَتْنَا أَلَّا نَخَافَ مِنَ السُّؤَالِ.
انْتَقَلَتِ الْأُسْتَاذَةُ سُعَادُ إِلَى مَدِينَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَلَمْ أَرَهَا بَعْدَ ذٰلِكَ.
وَالْيَوْمَ أَعْمَلُ بَاحِثَةً فِي عِلْمِ النَّبَاتِ، وَعَلَى مَكْتَبِي وَرَقَةُ شَجَرَةٍ خَضْرَاءُ فِي إِطَارٍ صَغِيرٍ.
وَكُلَّمَا سَأَلَنِي طَالِبٌ سُؤَالًا صَعْبًا، أَتَذَكَّرُهَا، وَأَقُولُ لَهُ مُبْتَسِمَةً: «هٰذَا سُؤَالٌ مُمْتَازٌ».