وَصَلْتُ إِلَى دِمَشْقَ فِي صَبَاحٍ مِنْ أَيَّامِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ الْهَوَاءُ يَحْمِلُ رَائِحَةَ الْيَاسَمِينِ.
دِمَشْقُ مِنْ أَقْدَمِ الْمُدُنِ فِي الْعَالَمِ الَّتِي مَا زَالَ النَّاسُ يَسْكُنُونَهَا حَتَّى الْيَوْمِ.
تَقَعُ الْمَدِينَةُ عِنْدَ سَفْحِ جَبَلِ قَاسِيُونَ، وَيَمُرُّ فِيهَا نَهْرُ بَرَدَى.
بَدَأْتُ جَوْلَتِي فِي الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ، الَّتِي يُحِيطُ بِهَا سُورٌ عَتِيقٌ لَهُ أَبْوَابٌ كَثِيرَةٌ.
دَخَلْتُ سُوقَ الْحَمِيدِيَّةِ، وَهُوَ سُوقٌ طَوِيلٌ لَهُ سَقْفٌ مِنَ الْحَدِيدِ، فِيهِ ثُقُوبٌ صَغِيرَةٌ يَدْخُلُ مِنْهَا الضَّوْءُ.
وَعَلَى الْجَانِبَيْنِ دَكَاكِينُ تَبِيعُ الْأَقْمِشَةَ وَالْحَلْوَى وَالْعُطُورَ، وَالْبَاعَةُ يُنَادُونَ الْمَارَّةَ بِلُطْفٍ.
وَفِي نِهَايَةِ السُّوقِ رَأَيْتُ أَعْمِدَةً رُومَانِيَّةً عَالِيَةً، وَخَلْفَهَا يَظْهَرُ الْجَامِعُ الْأُمَوِيُّ.
بَنَى هٰذَا الْجَامِعَ الْخَلِيفَةُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي أَوَّلِ الْقَرْنِ الثَّامِنِ الْمِيلَادِيِّ، حِينَ كَانَتْ دِمَشْقُ عَاصِمَةَ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ.
صَحْنُهُ وَاسِعٌ جِدًّا، وَعَلَى جُدْرَانِهِ فُسَيْفِسَاءُ ذَهَبِيَّةٌ وَخَضْرَاءُ تُصَوِّرُ أَشْجَارًا وَأَنْهَارًا وَبُيُوتًا.
جَلَسْتُ فِي الصَّحْنِ طَوِيلًا أَنْظُرُ إِلَى الْحَمَامِ وَإِلَى الْأَطْفَالِ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ بَيْنَ الْأَعْمِدَةِ.
وَبِجَانِبِ الْجَامِعِ زُرْتُ ضَرِيحَ صَلَاحِ الدِّينِ الْأَيُّوبِيِّ، الْقَائِدِ الْمَشْهُورِ.
وَفِي الْمَسَاءِ دَعَانِي صَدِيقٌ دِمَشْقِيٌّ إِلَى بَيْتِ أُسْرَتِهِ فِي حَيٍّ قَدِيمٍ.
كَانَ الْبَيْتُ بَسِيطًا مِنَ الْخَارِجِ، لٰكِنْ فِي دَاخِلِهِ فِنَاءٌ جَمِيلٌ، فِي وَسَطِهِ نَافُورَةٌ، وَحَوْلَهَا أَشْجَارُ اللَّيْمُونِ وَالنَّارِنْجِ.
شَرِبْنَا الشَّايَ تَحْتَ شَجَرَةِ الْيَاسَمِينِ، وَحَكَى لِي جَدُّهُ عَنْ تَارِيخِ الْحَيِّ.
وَعِنْدَمَا غَادَرْتُ دِمَشْقَ، فَهِمْتُ لِمَاذَا يُسَمِّيهَا أَهْلُهَا «مَدِينَةَ الْيَاسَمِينِ».