فِي بِدَايَةِ الْقَرْنِ التَّاسِعِ الْمِيلَادِيِّ، هَاجَرَتْ أُسْرَةٌ مِنْ مَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ، فِي تُونُسَ الْيَوْمَ، إِلَى مَدِينَةِ فَاسَ فِي الْمَغْرِبِ.
كَانَ رَبُّ هٰذِهِ الْأُسْرَةِ تَاجِرًا غَنِيًّا اسْمُهُ مُحَمَّدٌ الْفِهْرِيُّ، وَكَانَتْ لَهُ بِنْتَانِ: فَاطِمَةُ وَمَرْيَمُ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ الْأَبُ، تَرَكَ لِابْنَتَيْهِ مَالًا كَثِيرًا.
فَقَرَّرَتِ الْأُخْتَانِ أَنْ تُنْفِقَا هٰذَا الْمَالَ فِي عَمَلٍ يَنْفَعُ النَّاسَ بَعْدَهُمَا.
فَبَنَتْ مَرْيَمُ جَامِعًا فِي حَيِّ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، عُرِفَ بِجَامِعِ الْأَنْدَلُسِ.
أَمَّا فَاطِمَةُ فَبَنَتْ جَامِعًا فِي الْحَيِّ الَّذِي سَكَنَهُ الْمُهَاجِرُونَ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، وَلِذٰلِكَ سُمِّيَ «جَامِعَ الْقَرَوِيِّينَ».
وَكَانَ ذٰلِكَ نَحْوَ سَنَةِ ٨٥٩ لِلْمِيلَادِ، كَمَا يَذْكُرُ مُؤَرِّخُونَ عَاشُوا بَعْدَهَا بِقُرُونٍ.
وَيُرْوَى أَنَّ فَاطِمَةَ ظَلَّتْ صَائِمَةً طُولَ مُدَّةِ الْبِنَاءِ، وَأَنَّهَا بَنَتْهُ بِتُرَابٍ وَحِجَارَةٍ أُخِذَتْ مِنَ الْأَرْضِ نَفْسِهَا.
لَمْ يَكُنِ الْجَامِعُ مَكَانًا لِلصَّلَاةِ فَقَطْ، بَلْ صَارَ مَعَ الْوَقْتِ مَدْرَسَةً كَبِيرَةً تُدَرَّسُ فِيهَا عُلُومُ الدِّينِ وَاللُّغَةُ وَالرِّيَاضِيَّاتُ وَالْفَلَكُ وَالطِّبُّ.
وَجَاءَ إِلَيْهِ الطُّلَّابُ مِنْ أَنْحَاءِ الْمَغْرِبِ وَالْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِهِمَا، وَتَخَرَّجَ فِيهِ عُلَمَاءُ كَثِيرُونَ.
وَفِيهِ مَكْتَبَةٌ قَدِيمَةٌ تَحْفَظُ مَخْطُوطَاتٍ نَادِرَةً، وَقَدْ رُمِّمَتْ فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ.
وَيَعُدُّهُ كَثِيرُونَ أَقْدَمَ مُؤَسَّسَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ فِي الْعَالَمِ مَا زَالَتْ تَعْمَلُ إِلَى الْيَوْمِ.
أَمَّا فَاطِمَةُ نَفْسُهَا فَلَا نَعْرِفُ عَنْ حَيَاتِهَا إِلَّا الْقَلِيلَ، وَكَانَ النَّاسُ يُلَقِّبُونَهَا «أُمَّ الْبَنِينَ».
لٰكِنَّ اسْمَهَا مَا زَالَ حَيًّا، لِأَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي بَنَتْ لَهُ بَيْتًا لَمْ يَتَوَقَّفْ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ قَرْنًا.